تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 261

مساهمون:

ص٢٦١

بالنسبة إلى النفس إذا فهمت ما فيه فإنها تتحرك في حالة انتعاش وسرور وتعلو في سماء الفضيلة والعدل . . . ( واستشفوا بنوره فإنه شفاء الصدور ) . وهذا من قوله تعالى : ( 1 ) وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ . فإن من طلب الشفاء بالقرآن شفي وعوفي من مرض النفاق والحسد وكل الرذائل المضرة بالإيمان . ( وأحسنوا تلاوته فإنه أنفع القصص ) . وهذا من قوله تعالى ( 2 ) : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ . . . وحسن التلاوة وخصوصا في بعض صورها فإنها تدخل إلى عمق القلب ويشعر الإنسان معها بالرقة والخشوع والإنابة والاستكانة ، وكم من آية يقرأها الإنسان ويرددها فلا يتأثر بها وإذا به في بعض الأحيان يقرأها آخرون فتحرك فيه الحس الداخلي فيخشع ويخضع ويتعظ ويعتبر . . . ( وإن العالم للعامل بغير علمه كالجاهل الجائر الذي لا يستفيق من جهله ، بل الحجة عليه أعظم والحسرة له ألزم وهو عند اللّه ألوم ) . سوّى أولا بين العالم التارك لعلمه وبين الجاهل لأنهما سواء في الانحراف والضلال والخروج عن قصد السبيل فإن العالم إذا لم يعمل بعلمه فكأنه جاهل من حيث هذه الجهة . . . ثم جعل العالم التارك لعلمه أخس من الجاهل لوجوه ثلاثة . 1 - إن الحجة على العالم أعظم منها على الجاهل لأن ذاك يعرف وهذا لا يعرف وإذا كان للجاهل أن يعتذر بعدم المعرفة فليس للعالم مثل هذا الاعتذار . 2 - الحسرة له ألزم لأن من يعلم طرق الخير ثم لا يفعلها يتألم لفواتها ويتحسر على ضياعها بينما الجاهل لعدم علمه بذلك يبقى جهله سدا دون هذه الحسرة لأنه لا يشعر بفوات شيء منه . 3 - إن العالم التارك لعلمه عند اللّه أشد لوما لأن عدم عمله لتمرده واصراره على المعصية وهو أشد قبحا ممن لا يعرف أصل ذلك الفعل ودواعيه وما وراءه . وقد وردت الأخبار الكثيرة في ذم العالم التارك لعلمه كما وردت الأخبار بحسرته يوم القيامة ولومه لنفسه . . .

هامش
( 1 ) سورة الإسراء آية - 82 .
( 2 ) سورة القصص آية - 3 .
شرح نهج البلاغة — صفحة 261 | السيد عباس علي الموسوي