تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤
وذي أبّهة قد جعلته حقيرا ، وذي نخوة قد ردتّه ذليلا سلطانها دوّل ، وعيشها رنق ، وعذبها أجاج ، وحلوها صبر ، وغذاؤها سمام ، وأسبابها رمام حيّها بعرض موت ، وصحيحها بعرض سقم ملكها مسلوب ، وعزيزها مغلوب ، وموفورها منكوب ، وجارها محروب ألستم في مساكن من كان قبلكم أطول أعمارا ، وأبقى آثارا ، وأبعد آمالا ، وأعدّ عديدا ، وأكثف جنودا تعبّدوا للدّنيا أيّ تعبّد ، وآثروها أيّ إيثار ، ثمّ ظعنوا عنها بغير زاد مبلّغ ولا ظهر قاطع . فهل بلغكم أنّ الدّنيا سخت لهم نفسا بفدية ، أو أعانتهم بمعونة ، أو أحسنت لهم صحبة بل أرهقتهم بالقوادح ، وأوهقتهم بالقوارع ، وضعضعتهم بالنّوائب ، وعفّرتهم للمناخر ، ووطئتهم بالمناسم ، وأعانت عليهم « ريب المنون » . فقد رأيتم تنكّرها لمن دان لها ، وآثرها وأخلد إليها ، حين ظعنوا عنها لفراق الأبد . وهل زوّدتهم إلّا السّغب ، أو أحلّتهم إلّا الضّنك ، أو نوّرت لهم إلّا الظّلمة ، أو أعقبتهم إلّا النّدامة أفهذه تؤثرون ، أم إليها تطمئنّون ، أم عليها تحرصون فبئست الدّار لمن لم يتّهمها ، ولم يكن فيها على وجل منها فاعلموا - وأنتم تعلمون - بأنّكم تاركوها وظاعنون عنها ، واتّعظوا فيها بالّذين قالوا : « من أشدّ منّا قوّة » : حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركبانا ، وأنزلوا الأجداث فلا يدعون ضيفانا ، وجعل لهم من الصّفيح أجنان ، ومن التّراب أكفان ، ومن الرّفات جيران ، فهم جيرة لا يجيبون داعيا ، ولا يمنعون ضيما ، ولا يبالون مندبة . إن جيدوا لم يفرحوا ، وإن قحطوا لم يقنطوا . جميع وهم آحاد ،
شرح نهج البلاغة — صفحة 264 | السيد عباس علي الموسوي