يطلبون منه قبول البيعة وتولي الإمامة فأجابهم عليه السلام بقوله هذا يطلب منهم أن يتركوه ويعدلوا عنه إلى غيره من المسلمين .
وهذا القول منه ليس تهربا من الواقع أو رفضا لحقه المشروع وإنما ليلقي الحجة عليهم من جهة ما يقوم به في مستقبل أمره في شأنهم فيسقط احتجاجهم عليه . . . وقد يكون لعلمه بما ستجري عليه الأمور من قيام الناكثين والقاسطين والمارقين بحربه فإذا التمسوا غيره ولم يجد الناصر له سقط التكليف عنه بتولي الخلافة ويكون هذا من قبيل انتفاء الحكم بانتفاء موضوعه في حقه . . . التمسوا غيري . . اطلبوا غيري فإنّ أمامنا أمر نستقبله له وجوه وألوان إنها فتنة نستقبلها سيخرج الثالوث طلحة والزبير وأم المؤمنين وسيخرج الخوارج وسيخرج معاوية وهي فتن صعبة ومحن مريرة لا تصبر عليها القلوب وتتردد فيها العقول . . سيرى الناس أصحاب رسول اللّه وأم المؤمنين يحملون راية المعارضة ويخرجون لحرب الخليفة . . سيرى الناس هذا المشهد فتضطرب عقولهم وتشوش أفكارهم ويترددون طويلا في تعيين المحق من المبطل . . وكيف يصبر من لا علم له بالحق ولا خيرة له به . . هناك أمة ستقرأ الحق في الرجال ولا تقرأ الرجال في الحق . . سيرون في عمل بعض الصحابة حجة وينسبون الحق إليهم ولا يقيسون أعمالهم على الحق . . . ( وإن الآفاق قد أغامت والمحجة قد تنكرت ) . إن المستقبل مظلم معتم فيه فتن واضطرابات بل تمرد وخلاف . . فيه حروب ودماء والطريق الصحيحة السليمة قد تشوشت معالمها وطمست آثارها وضل السائرون في متاهاتها وما عليه الإمام هي المحجة والطريق ولكن للأهواء قوة في الانحراف عنها لا يقوى على مقاومتها أحد . . . ( واعلموا إني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب ) . وهذا إنذار لهم وبيان لدوره إن أجابهم إلى البيعة وأضحى خليفة عليهم إنه سيحملهم على علمه بالشريعة وما تلقاه من النبي ، فقد عاش مع الرسول فترة طويلة بل هي أطول فترة زمنية عاشها أحد من الصحابة مع النبي وقد تلقى عنه ألف باب من العلم وكل باب يفتح له منه ألف باب فهو بعد هذا على علم بالشريعة المحمدية سيحمل الناس عليها إن تولى الأمر وتقلد الخلافة وعندها لا يستمع إلى أقوال الناس ولا إلى آرائهم المخالفة لرأيه ولن يلتفت إلى العاتبين عليه الذين يريدون أكثر من حقهم ويطلبون أزيد من نصيبهم فيلومونه على عدم إعطائهم ذلك . . . ( وإن تركتموني فأنا كأحدكم ولعليّ أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم وأنا
شرح نهج البلاغة — صفحة 118
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص١١٨