مبايعة علي :
فما راعني إلّا والنّاس كعرف الضّبع إليّ ، ينثالون عليّ من كلّ جانب ، حتّى لقد وطئ الحسنان ، وشقّ عطفاي ، مجتمعين حولي كربيضة الغنم . فلمّا نهضت بالأمر نكثت طائفة ، ومرقت أخرى ، وقسط آخرون : كأنّهم لم يسمعوا اللّه سبحانه يقول : تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً ، وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ بلى واللّه لقد سمعوها ووعوها ، ولكنّهم حليت الدّنيا في أعينهم ، وراقهم زبرجها .
أما والّذي فلق الحبّة ، وبرأ النّسمة ، لولا حضور الحاضر ، وقيام الحجّة بوجود النّاصر ، وما أخذ اللّه على العلماء ألّا يقارّوا على كظّة ظالم ، ولا سغب مظلوم ، لألقيت حبلها على غاربها ، ولسقيت آخرها بكأس أوّلها ، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز .
قالوا : وقام إليه رجل من أهل السواد عند بلوغه إلى هذا الموضع من خطبته ، فناوله كتابا [ قيل : إن فيه مسائل كان يريد الإجابة عنها ] ، فأقبل ينظر فيه [ فلما فرغ من قراءته ] قال له ابن عباس : يا أمير المؤمنين ، لو أطّردت خطبتك من حيث أفضيت .
فقال : هيهات يا بن عبّاس تلك شقشقة هدرت ثمّ قرّت .
قال ابن عباس : فو اللّه ما أسفت على كلام قط كأسفي على هذا الكلام ألّا يكون أمير المؤمنين عليه السلام بلغ منه حيث أراد .