وقيل له : أين علمك من علم ابن عمّك عليّ . فقال : كنسبة قطرة من المطر إلى البحر المحيط .
ومن العلوم علم الطريقة والحقيقة وأحوال التصوّف ، وقد عرفت أن أرباب هذا الفنّ في جميع بلاد الإسلام إليه ينتهون ، وعنده يقفون ، وقد صرّح بذلك الشبّلي ، والجنيد ، وسري ، وأبو يزيد البسطامي ، وأبو محفوظ معروف الكرخي ، وغيرهم .
ويكفيك دلالة على ذلك الخرقة التي شعارهم إلى اليوم ، وكونهم يسندونها بإسناد متّصل إليه عليه السلام .
ومن العلوم علم النّحو والعربية ، وقد علم الناس كافة أنه هو الذي ابتدعه وأنشأه ، وأملى على أبي الأسود الدؤلي جوامعه وأصوله . من جملتها : الكلام كلهّ ثلاثة أشياء : اسم ، وفعل ، وحرف ، ومن جملتها تقسيم الكلمة إلى : معرفة ، ونكرة ، وتقسيم وجوه الإعراب إلى : الرفع ، والنصب ، والجرّ ، والجزم .
وهذا يكاد يلحق بالمعجزات ، لأن القوة البشرية لا تفي بهذا الحصر ، ولا تنهض بهذا الاستنباط .
وإن رجعت إلى الخصائص الخلقية والفضائل النفسانية والدينية وجدته ابن جلاها وطلّاع ثناياها .
وأما الشجاعة فإنه أنسى الناس فيها ذكر من كان قبله ، ومحا اسم من يأتي بعده .
ومقاماته في الحرب مشهورة يضرب بها الأمثال إلى يوم القيامة ، وهو الشجاع الذي ما فرّقطّ ، ولا ارتاع من كتيبة ، ولا بارز أحدا إلّا قتله ، ولا ضرب ضربة قطّ فاحتاجت الأولى إلى ثانية .
وفي الحديث : كانت ضرباته وترا .
ولمّا دعا معاوية إلى المبارزة ليستريح الناس من الحرب بقتل أحدهما ، قال له عمرو : لقد أنصفك . فقال معاوية : ما غششتني منذ نصحتني إلّا اليوم ، أتأمرني بمبارزة أبي الحسن وأنت تعلم أنه الشجاع المطرق . أراك طمعت في إمارة الشام بعدي .
وكانت العرب تفتخر بوقوفها في الحرب في مقابلته ، فأما قتلاه فافتخار رهطهم بأنه عليه السلام قتلهم أظهر وأكثر ، قالت أخت عمرو بن عبدودّ ترثيه :
لو كان قاتل عمرو غير قاتله * بكيته أبدا ما دمت في الأبد
لكن قاتله من لا نظير له * وكان يدعى أبوه بيضة البلد
وانتبه يوما معاوية ، فرأى عبد اللّه بن الزّبير جالسا تحت رجليه على سريره فقعد ، فقال له عبد اللّه يداعبه : يا أمير المؤمنين ، لو شئت أن أفتك بك لفعلت . فقال : لقد شحعت بعدنا يا أبا بكر . قال : وما الذي تنكره من شجاعتي وقد وقفت في الصفّ إزاء عليّ بن أبي طالب . قال لا جرم ، إنهّ قتل أباك بيسرى يديه ، وبقيت اليمنى فارغة ، يطلب من يقتله بها .
وجملة الأمر أن كلّ شجاع في الدنيا إليه ينتهي ، وباسمه ينادي في مشارق الأرض ومغاربها .
وأما القوة والأيد فبه يضرب المثل فيهما .
قال ابن قتيبة في « المعارف » : ما صارع أحدا قطّ إلّا صرعه .
وهو الذي قلع باب خيبر ، واجتمع عليه عصبة من الناس ليقلبوه فلم يقلبوه .
وهو الذي اقتلع هبل من أعلى الكعبة ، وكان عظيما جدا ، وألقاه إلى الأرض .
وهو الّذي اقتلع الصخرة العظيمة بيده ، أيام خلافته عليه السلام ، في مسيره إلى صفّين بعد عجز الجيش كلهّ عن قلع الصخرة ، وأنبط الماء تحتها .