وقد عرفت أنّ أشرف العلوم ، هو العلم الإلهيّ ، لأنّ شرف العلم بشرف المعلوم ، ومعلومه أشرف الموجودات ، فكان هو أشرف العلوم ، ومن كلامه عليه السلام اقتبس ، وعنه نقل ، وإليه انتهى .
فإن المعتزلة ، الذين هم أهل التوحيد والعدل ، وأرباب النظر ، ومنهم تعلّم الناس هذا الفن ، تلامذته وأصحابه ، لأن كبيرهم واصل بن عطاء تلميذ أبي هاشم بن محمد بن الحنفية ، وأبو هاشم تلميذ أبيه ، وأبوه تلميذه عليه السلام .
وأما الأشعرية فإنهم ينتمون إلى أبي الحسن عليّ بن إسماعيل بن أبي بشر الأشعري ، وهو تلميذ أبي علي الجبائي ، وأبو علي أحد مشايخ المعتزلة ، فالأشعرية ينتهون بأخرة إلى أستاذ المعتزلة ومعلّمهم ، وهو عليّ ابن أبي طالب عليه السلام .
وأما الإمامية والزيدية فانتماؤهم إليه ظاهر .
ومن العلوم علم الفقه ، وهو عليه السلام أصله وأساسه ، وكلّ فقيه في الإسلام فهو عيال عليه ، ومستفيد من فقهه .
أما أصحاب أبي حنيفة كأبي يوسف ومحمد وغيرهما فأخذوا عن أبي حنيفة .
وأما الشافعي فقرأ على محمد بن الحسن ، فيرجع فقهه أيضا إلى أبي حنيفة .
وأما أحمد بن حنبل فقرأ على الشافعي ، فيرجع فقهه أيضا إلى أبي حنيفة ، وأبو حنيفة قرأ على جعفر بن محمد عليه السلام ، وقرأ جعفر على أبيه عليه السلام ، وينتهى الأمر إلى عليّ عليه السلام .
وأما مالك بن أنس فقرأ على ربيعة الرأي ، وقرأ عبد اللّه بن عباس على عليّ بن أبي طالب .
وإن شئت فرددت إليه فقه الشافعي بقراءته على مالك كان لك ذلك .
فهؤلاء الفقهاء الأربعة .
وأما فقه الشيعة فرجوعه إليه ظاهر .
وأيضا فإن فقهاء الصحابة كانوا : عمر بن الخطاب وعبد اللّه بن عباس ، وكلاهما أخذ عن علي عليه السلام .
أمّا ابن عباس فظاهر .
وأما عمر فقد عرف كلّ أحد رجوعه إليه في كثير من المسائل التي أشكلت عليه وعلى غيره من الصحابة . وقوله غير مرّة : « لولا علي لهلك عمر » ، وقوله : « لا بقيت لمعضلة ليس لها أبو الحسن » ، وقوله : « لا يفتينّ أحد في المسجد وعلي حاضر » .
فقد عرف بهذا الوجه أيضا انتهاء الفقه إليه .
وقد روت العامة والخاصة قوله عليه السلام : أقضاكم علي . والقضاء هو الفقه ، فهو إذا أفقههم .
وروى الكلّ أيضا أنه عليه السلام قال له وقد بعثه إلى اليمن قاضيا : اللهم اهد قلبه وثبّت لسانه . قال : فما شككت بعدها في قضاء بين اثنين .
وهو عليه السلام الذي أفتى في المرأة التي وضعت لستة اشهر .
وهو الذي أفتى في الحامل الزانية .
وهو الذي قال في المنبرية : صار ثمنها تسعا . وهذه المسألة لو فكّر الفرضيّ فيها فكرا طويلا لاستحسن منه بعد طول النظر هذا الجواب .
فما ظنّك بمن قاله بديهة ، واقتضبه ارتجالا .
ومن العلوم علم تفسير القرآن ، وعنه أخذ ، ومنه فرّع . وإذا رجعت إلى كتب التفسير علمت صحّة ذلك ، لأن أكثره عنه وعن عبد اللّه بن عباس . وقد علم الناس حال ابن عباس في ملازمته له ، وانقطاعه إليه ، وأنه تلميذه وخريّجه .
تمام نهج البلاغة — صفحة 36
مساهمون: السيد صادق الموسوي
ص٣٦