وذكر أحمد بن يحيى البلاذري وعلي بن الحسين الأصفهاني أن قريشا أصابتها أزمة وقحط ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لعميّه : ألا نحمل ثقل أبي طالب في هذا المحل .
فجاءوا إليه وسألوه أن يدفع إليهم ولده ليكفوه أمرهم فقال : دعوا لي عقيلا وخذوا من شئتم . وكان شديد الحبّ لعقيل .
فأخذ العباس طالبا ، وأخذ حمزة جعفرا ، وأخذ محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم عليّا ، وقال لهم : قد اخترت من اختاره اللّه لي عليكم عليّا .
قالوا : فكان عليّ عليه السلام في حجر رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ، منذ كان عمره ستّ سنين .
وكان ما يسدي إليه صلوات اللّه عليه من إحسانه وشفقته وبرهّ وحسن تربيته ، كالمكافأة والمعاوضة لصنيع أبي طالب به ، حيث مات عبد المطلب وجعله في حجره .
وهذا يطابق قوله عليه السلام : لقد عبدت اللّه قبل أن يعبده أحد من هذه الأمة سبع سنين .
وقوله : كنت أسمع الصوت وأبصر الضوء سنين سبعا ، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم حينئذ صامت ما أذن له في الإنذار والتبليغ .
وذلك لأنه إذا كان عمره يوم إظهار الدعوة ثلاث عشرة سنة ، وتسليمه إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم من أبيه وهو ابن ستّ ، فقد صحّ أنه كان يعبد اللّه قبل الناس بأجمعهم سبع سنين .
وابن ستّ تصحّ منه العبادة إذا كان ذا تمييز ، على أنّ عبادة مثله هي التعظيم والإجلال وخشوع القلب ، واستخذاء الجوارح ، إذا شاهد شيئا من جلال اللّه سبحانه وآياته الباهرة . ومثل هذا موجود في الصبيان .
وقتل عليه السلام ليلة الجمعة لثلاث عشرة بقين من شهر رمضان ، سنة أربعين في رواية أبي عبد الرحمن السّلميّ ، وهي الرواية المشهورة .
وفي رواية أبي مخنف : أنها كانت لإحدى عشرة ليلة بقين من شهر رمضان ، وعليه الشيعة في زماننا .
والقول الأول أثبت عند المحدثين .
والليلة السابعة عشرة من شهر رمضان هي ليلة بدر ، وقد كانت الروايات وردت أنه عليه السلام يقتل في ليلة بدر .
وقبره بالغريّ .
فأما فضائله عليه السلام ، فإنها قد بلغت من العظم والجلالة والانتشار والاشتهار مبلغا يسمج معه التعرّض لذكرها ، والتصدّي لتفصيلها ، فصارت كما قال أبو العيناء لعبيد اللّه بن يحيى بن خاقان وزير المتوكّل والمعتمد : رأيتني فيما أتعاطى من وصف فضلك ، كالمخبر عن ضوء النهار الباهر ، والقمر الزاهر ، الذي لا يخفى على الناظر ، فأيقنت أنّي حيث انتهى بي القول منسوب إلى العجز ، مقصّر عن الغاية ، فانصرفت عن الثناء عليك إلى الدعاء لك ، ووكلت الإخبار عنك إلى علم الناس بك .
وما أقول في رجل أقرّ له أعداؤه وخصومه بالفضل ، ولم يمكنهم جحد مناقبه ، ولا كتمان فضائله . فقد علمت أنهّ استولى بنو أمية على سلطان الإسلام في شرق الأرض وغربها ، واجتهدوا حيلة في إطفاء نوره ، والتحريض عليه ، ووضع المعايب والمثالب له ، ولعنوه على جميع المنابر ، وتوعّدوا مادحيه ، بل حبسوهم وقتلوهم ، ومنعوا من رواية حديث يتضمن له فضيلة ، أو يرفع له ذكرا ، حتى حظروا أن يسمّى أحد باسمه ، فما زاده ذلك إلّا رفعة وسموّا ، وكان كالمسك كلّما ستر انتشر عرفه ، وكلّما كتم تضوّع نشره ، وكالشمس لا تستر بالرّاح ، وكضوء النهار إن حجبت عنه عين واحدة ، أدركته عيون كثيرة .
وما أقول في رجل تعزى إليه كل فضيلة ، وتنتهي إليه كل فرقة ، وتتجاذبه كل طائفة ، فهو رئيس الفضائل وينبوعها ، وأبو عذرها ، وسابق مضمارها ، ومجلّى حلبتها ، كل من بزع فيها فمنه أخذ ، وله اقتفى ، وعلى مثاله احتذى .
تمام نهج البلاغة — صفحة 35
مساهمون: السيد صادق الموسوي
ص٣٥