وقال معاوية لقيس بن سعد : رحم اللّه أبا الحسن ، فلقد كان هشّا بشّا ، ذا فكاهة . فقال قيس : نعم ، كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يمزح ويبتسم إلى أصحابه ، وأراك تسرّ حسوا في ارتغاء ، وتعيبه بذلك أما واللّه لقد كان مع تلك الفكاهة والطلاقة أهيب من ذي لبدتين قد مسهّ الطّوى ، تلك هيبة التقوى ، وليس كما يهابك طغام أهل الشام .
وقد بقي هذا الخلق متوارثا متناقلا في محبيّه وأوليائه إلى الآن ، كما بقي الجفاء والخشونة والوعورة في الجانب الآخر .
ومن له أدنى معرفة بأخلاق الناس وعوائدهم يعرف ذلك .
وأما الزهد في الدنيا ، فهو سيّد الزهاد ، وبدل الأبدال ، وإليه تشدّ الرّحال ، وعنده تنفض الأحلاس ، ما شبع من طعام قطّ .
وكان أخشن الناس مأكلا وملبسا .
قال عبد اللّه بن أبي رافع : دخلت عليه يوم عيد ، فقدّم جرابا مختوما ، فوجدنا فيه خبز شعير يابسا مرضوضا ، فقدّم فأكل ، فقلت يا أمير المؤمنين ، فكيف تختمه قال : خفت هذين الولدين ( يعني الحسن والحسين عليهما السلام ) أن يلتاّه بسمن أو زيت .
وكان ثوبه مرقوعا بجلد تارة وليف أخرى ، ونعلاه من ليف .
وكان يلبس الكرباس الغليظ ، فإذا وجد كمهّ طويلا قطعه بشفرة ، ولم يخطه ، فكان لا يزال متساقطا على ذراعيه حتى سدى لا لحمة له .
وكان يأتدم إذا ائتدم بخلّ أو بملح ، فإن ترقّى عن ذلك فببعض نبات الأرض ، فإن ارتفع عن ذلك فبقليل من ألبان الإبل . ولا يأكل اللحم إلّا قليلا ، ويقول : لا تجعلوا بطونكم مقابر الحيوان .
وكان مع ذلك أشدّ الناس قوة وأعظمهم أيدا ، لا ينقض الجوع قوتّه ، ولا يخوّن الإقلال منتّه .
وهو الذي طلّق الدنيا ، وكانت الأموال تحبى إليه من جميع بلاد الإسلام إلّا من الشام ، فكان يفرّقها ويمزّقها ، ثم يقول :
هذا جناي وخياره فيه * إذ كل جان يده إلى فيه
وأما العبادة ، فكان أعبد الناس وأكثرهم صلاة وصوما ، ومنه تعلّم الناس صلاة الليل ، وملازمة الأوراد ، وقيام النافلة .
وما ظنّك برجل يبلغ من محافظته على ورده أن يبسط له نطع بين الصفّين ليلة الهرير ، فيصلّى عليه ورده ، والسّهام تقع بين يديه وتمرّ على صماخيه يمينا وشمالا ، فلا يرتاع لذلك ، ولا يقوم حتى يفرغ من وظيفته .
وما ظنّك برجل كانت جبهته كثفنة البعير لطول سجوده .
وأنت إذا تأمّلت دعواته ومناجاته ، ووقفت على ما فيها من تعظيم اللّه سبحانه وإجلاله ، وما يتضمنّه من الخضوع لهيبته ، والخشوع لعزتّه والاستخذاء له سبحانه وتعالى ، عرفت ما ينطوي عليه من الإخلاص ، وفهمت من أيّ قلب خرجت ، وعلى ايّ لسان جرت وقيل لعليّ بن الحسين عليه السلام ، وكان الغاية في العبادة : أين عبادتك من عبادة جدّك . قال : عبادتي عند عبادة جدّي كعبادة جدّي عند عبادة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم .
وأما قراءته القرآن واشتغاله به ، فهو المنظور إليه في هذا الباب ، اتّفق الكلّ على أنه كان يحفظ القرآن على عهد رسول اللّه