عن الصادق عليه السلام كان لقمان رجلا قويا في امر اللّه ، متورعا في اللّه ساكتا سكيتا عميق النظر ، طويل الفكر ، حديد النظر ، مستغن بالعبر ، لم ينم نهارا قط ، ولم يره أحد من الناس على بول ولا غائط ولا اغتسال لشدة تستره ، ولم يضحك من شيء مخافة الاثم ، ولم يغضب قط ، ولم يمزح قط ، ولم يفرح بشيء من الدنيا ، ولا حزن منها على شيء ، وقدم أكثر أولاده فرطا ، فما بكى على موت أحد ، ولم يمر برجلين يختصمان أو يقتتلان الا اصلح بينهما ، ولم يسمع من أحد قولا استحسنه الا سأله عن تفسيره وعمن اخذه ، وكان يكثر مجالسة الفقهاء والحكماء ، وكان يغشى القضاة والملوك ، فيرثي للقضاة بما ابتلوا به ، ويرحم للملوك لغرتهم باللهّ ، ويتعلم ما يغلب به نفسه ويجاهد هواه ، ويحترز به من الشيطان ، وكان لا يظعن الا في ما يعنيه ، فبذلك أوتي الحكمة ، ومنح العصمة ، فان اللّه تعالى امر طوائف الملائكة حين انتصف النهار ، وهدأت العيون بالقائلة فنادوا لقمان حيث يسمع ولا يراهم ، فقالوا هل لك ان يجعلك اللّه خليفة في الأرض تحكم بين الناس فقال : ان امرني ربي بذلك فالسمع والطاعة وان فعل بي ذلك أعانني عليه وعلمني ، وان هو خيرني قبلت العافية ، فقالت الملائكة : لم قال لان الحكم بين الناس باشد المنازل من الدين وأكثر فتنا وبلاء يخذل ويغشاه الظلمة من كل مكان وصاحبه فيه بين امرين ان أصاب فيه الحق فبالحري ان يسلم وان أخطأ طريق الجنة فتعجبت الملائكة من حكمته فلمّا اخذ مضجعه من الليل انزل اللّه عليه الحكمة فغشاه بها من قرنه إلى قدمه وهو نائم فغطاه بالحكمة فاستيقظ وهو احكم الناس في زمانه فلمّا أوتي الحكمة ولم يقبل الخلافة امر اللّه الملائكة فنادت داود بالخلافة فقبلها ولم يشترط فيها كشرط لقمان فأعطاه اللّه الخلافة في الأرض وابتلي فيها غير مرة - وكان داود يقول له : طوبى لك يا لقمان ، أوتيت الحكمة
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 27
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٢٧