واللّه ، لقد كنت أبغض أن يمشي عليّ مثلك لا جرم لترينّ ما أصنع بك اليوم فتضيّق عليه حتى تلتقي جوانحه ثم يدخل عليه ملكا القبر فيقعدانه ويلقيان فيه الروح إلى حقويه ، فيقولان له من ربّك - إلى أن قال - ويسلّط اللّه عليه في قبره الحيّات تنهشه نهشا والشّيطان يغمهّ غمّا ويسمع عذابه من خلق اللّه إلّا الجنّ والإنس وإنهّ ليسمع خفق نعالهم ونفض أيديهم ( 1 ) وهو قوله تعالى : يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ ما يَشاءُ ( 2 ) هذا وقال ابن أبي الحديد في قوله عليه السلام : « اقعد في حفرته نجيّا » تصريح بعذاب القبر وقال قاضي القضاة : أنكر المعتزلة أن يكون عذاب القبر دائما ، والأقرب في الأخبار أنهّ في الأوقات المقارنة للدّفن ، والذي أعرفه من مذهب كثير من شيوخنا قبله أنهّ يكون بين النفختين ( 3 ) ، قلت لنا أمران : سؤال ، وعذاب وثواب ، فالسؤال إنّما يكون بعد الدفن ، ويدلّ عليه كلامه عليه السلام هنا « حتى إذا انصرف المشيّع ورجع المفّجّع اقعد في حفرته نجيّا » وأمّا الثواب والعقاب فيدومان من الدفن إلى يوم البعث ففي خبر أبي بكر الحضرمي عن الباقر عليه السلام قال : فما يزال يتحفه من روحها إلى يوم القيامة ، ويفتح للكافر باب من النار ولا يزال يتحفه من حرّها إلى يوم القيامة ، وأخبارنا دالّة على أنّ السؤال مختصّ بالمؤمن المحض ، والكافر المحض والباقون يهملون إلى يوم القيامة ، روى ذلك الكافي في خبر عن أبي بكر الحضرمي عن الباقر عليه السلام وفي آخر عن الصادق عليه السلام ، وفي خبر عن بكير عن الباقر عليه السلام ، وفي خبر عن محمّد بن مسلم ، وفي آخر عن عبد اللّه بن سنان عن
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 175
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص١٧٥
هامش
( 1 ) الكافي للكليني 3 : 239 ح 12 .
( 2 ) إبراهيم : 27 .
( 3 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 6 : 274 .