خيولهم ومراكبهم وساروا بين يديه ، وتركوا مراكبهم مع غلمانهم خلف النّاس ، وكان الرّضا عليه السّلام كلّما كبّر كبّر النّاس تكبيرة واحدة ، وكلّما هلّل هلّلوا تهليلة وهم سائرون بين يديه ، حتّى خيّل للنّاس أنّ الحيطان والجدران يجاوبهم بالتّكبير والتّهليل ، وتزلزلت مرو ، وارتفع البكاء والضجيج . فبلغ ذلك المأمون ، فقال له الفضل : إن بلغ الرّضا المصلّى هكذا افتتن النّاس به ، وخفنا على دمائنا وأرواحنا ، وعليك في نفسك فابعث إليه يردّ . فبعث إليه : قد كلّفناك ، ولا نحبّ أن تلحقك مشقّة ارجع إلى بيتك يصلّي بالناس غيرك . ورواه ابن طلحة الشافعي في ( مطالبه ) وفيه : فخرج الرّضا ، وعليه قميص قصير أبيض ، وعمامة بيضاء لطيفة وهما من قطن ، وفي يده قضيب ، فأقبل ماشيا يؤمّ المصلّى ، وهو يقول : « السّلام على أبويّ آدم ونوح . السّلام على أبويّ إبراهيم وإسماعيل . السّلام على أبويّ محمّد وعليّ . السّلام على عباد اللّه الصالحين » . فلمّا رآه الناس هرعوا إليه ، وانثالوا عليه لتقبيل يده ، فأسرع بعض الحاشية إلى الخليفة المأمون ، وقال له : تدارك النّاس واخرج إليهم وصلّ بهم وإلّا خرجت الخلافة منك الآن ( 1 ) . وفيه أيضا : قال دعبل الخزاعي : لمّا قلت قصيدتي « مدارس آيات » قصدت بها الرّضا عليه السّلام وهو بخراسان وليّ عهد المأمون ، فأحضرني المأمون وسألني عن خبري ، ثمّ قال لي : أنشدني « مدارس آيات خلت من تلاوة » فقلت : ما أعرفها . فقال : يا غلام أحضر أبا الحسن الرّضا . فلم تكن ساعة إلّا حضر . فقال له : سألت دعبلا عن « مدارس آيات خلت من تلاوة » فذكر أنهّ لا يعرفها . فقال لي : أنشده . فأخذت فيها فأنشدتها ، فاستحسنها المأمون . فأمر لي بخمسين ألف درهم ، وأمر لي الرّضا عليه السّلام بقريب من ذلك . فقلت : يا
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 338
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٣٣٨
هامش
( 1 ) رواه ابن الصباغ في الفصول المهمّة : 260 ، وابن طلحة في مطالب السؤول : 86 .