فإنّ القرن واسع ضيّق ولا شيء أوسع من الخيال لحكمه على كلّ شيء وعلى ما ليس بشيء ، فإنّه يتصوّر العدم المحض ولا أضيق منه ؛ إذ ليس في وسعه أن يتخيّل أمراً إلّابصورة ولم يسعه أن يجرّد المعاني عن الموادّ أصلًا ، فنرى العلم في صورة لبن والشرع في صورة قيد إلى غير ذلك ممّا يرى في النوم وغيره . وأمّا كونه من نور ، فإنّ النور سبب الكشف والظهور . جعل اللَّه هذا الخيال نوراً يدرك به تصوير كلّ شيء ، فنوره لا يشبه الأنوار وبه يدرك التجلّيات وهو نور عين الخيال لا نور عين الحسّ .
قال : إذا قبض اللَّه الأرواح من هذه الأجسام الطبيعيّة حيث كانت أودعها صوراً جسديّة - هي مجموع هذا القرن النوري - ، فجميع ما يدركه الإنسان بعد الموت في البرزخ من الأمور ، إنّما يدركه بعين الصورة التي هو فيها في القرن وهو إدراك حقيقي . ومن الصور هناك ما هي مقيّدة عن التصرّف ؛ ومنها ما هي مطلقة كأرواح الأنبياء كلّهم وأرواح الشهداء ، ومنها ما يكون لها نظر إلى عالم الدنيا ، ومنها ما يتجلّى للنائم في هذه الدار في حضرة الخيال التي هي فيه وهو الذي يصدّق رؤياه .
قال : وأعلاه الضيق وأسلفه الواسع وكذلك خلقه اللَّه ؛ فإنّه يتصوّر الحقّ ، فمن دونه من العالم .
ولا شكّ أنّ الخلق يتّسع ويتكثّر بقدر ما يتنزّل إلى أن يصل إلى الأشخاص .
قال : والنفخة نفختان : نفخة تطفي النار ، ونفخة تشعلها
« وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ »
« 1 » ، فبالنفخة الأولى تموت الأجساد وتحيى الأرواح ، وبالنفخة الثانية تقوم قياماً بالحقّ لا بذواتها
« وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها »
« 2 » .
والنفخة من قبل الحقّ وإن كانت واحدة لإحاطته بجميع ما سواه ، لكنّها بالنسبة إلى الخلائق نفخات متعدّدة حسب تعدّد الأشخاص ، كما أنّ الأزمنة والأوقات المتمادية هاهنا إنّما هي ساعة واحدة بالقياس إليه
« وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ »
« 3 » ،
« ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ »
« 4 » .
هامش
( 1 ) - الزمر : 68 .
( 2 ) - الزمر : 69 .
( 3 ) - النحل : 77 .
( 4 ) - لقمان : 28 .