بحراً مسجوراً ، ويتّصل البرّ بالبحر ، ويتّحد الفوق والتحت ، وانشقّت السماء وانتثرت النجوم ، وتزول الأبعاد والأحجام ، ويرتفع الحواجز والحوائل ، ويتّحد ذو النور مع النور والفعل بالفاعل ، فلم يبق من القوى والحواسّ تأثّر ولا للمحسوس بما هو محسوس عين ولا أثر
« لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً »
« 1 » ،
« وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً »
« 2 » .
وتشاهد الجبال كالعهن المنفوش « 3 » لضعف وجودها ، ثمّ ينسف نسفاً ، فيذرها قاعاً صفصفاً « 4 » ، لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً ، ويبدّل الأرض غير الأرض ، فتمدّ مدّ الأديم وتبسط على قدر تسع الخلائق كلّها
« وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ »
« 5 » .
والمتخلّصون عند ذلك عن البرازخ يتوجّهون إلى الحضرة الربوبيّة
« فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ »
« 6 » ، فعدمت عند ذلك الآجال ، وزالت السنون والساعات ، ولا يبقى إلّاالواحد القهّار الذي إليه مصير جميع الأمور بلا وقت ولا زمان ، ولا حيّز ولا مكان ، فلا قبل يومئذ ولا بعد ، ولا هنا ولا هنالك ، ولا ستر ولا حجاب ؛ لأنّ ذلك من لوازم الزمان المقتضي للتغيّر والمكان الموجب للتكثّر ، فإذا ارتفعا ارتفع الحجاب وجمعت الخلائق دفعة واحدة كلمح البصر أو هو أقرب في أوسع مكان
« ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ »
« 7 » ، مع أنّه يوم الفصل لامتياز الحقّ من الباطل فيه بخلاف الدنيا لتشابههما فيها «
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ »
« 8 » ،
« لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ »
« 9 » .
وهذا الفصل يقتضي ذلك الجمع
« هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ »
« 10 » .
ومن أطلق اللَّه حقيقته عن قيد الزمان والمكان يعرف أنّ مجمع الزمان ، وما يطابقه كساعة واحدة هي شأن واحد من شؤون اللَّه مشتمل على شؤون التجلّيات الواقعة كلّ يوم وساعة ؛ إذ
هامش
( 1 ) - الدهر : 13 .
( 2 ) - الحاقّة : 14 .
( 3 ) -« وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ». [ القارعة : 5 .
( 4 ) -« وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً * فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً ». [ طه : 105 - 106 .
( 5 ) - إبراهيم : 48 .
( 6 ) - يس : 51 .
( 7 ) - هود : 103 .
( 8 ) - الروم : 14 .
( 9 ) - الأنفال : 37 .
( 10 ) - المرسلات : 38 .