الكمال ونعوت الجلال . ولابدّ لكلّ من الوصفين من مظهر ولكلّ منهما فروع وشعب غير متناهية ، كلّ منها يوجب تعلّق إرادته سبحانه وقدرته إلى إيجاد مخلوق يدلّ عليه - كما مرّ بيانه في كلمة القرب والبعد - ، فكلّ من الموجودات مظهر لاسم خاصّ إلهي ؛ فلذلك اقتضت رحمة الباري إيجاد المخلوقات كلّها ، لتكون مظاهر لأسمائه الحسنى ومجالي لصفاته العليا . مثلًا لمّا كان منتقماً قهّاراً ، أوجد المظاهر القهريّة من الجحيم وساكنيها والزقّوم ومتناوليها . ولمّا كان عفوّاً غفوراً ، أوجد مجالي للعفو والغفران كالجنّة وأهليها والتسنيم وشاربيها . ومنها يظهر السعادة والشقاوة
« فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ »
« 1 » .
[ 48 ]
كلمة : بها ينكشف سرّ المحو والإثبات وإسناد التردّد والبداء إلى اللَّه سبحانه في الروايات
قد عرفت معنى القضاء والقدر ، فاعلم أنّ محلّ القضاء عالم العقول والأرواح ويسمّى باللوح المحفوظ ؛ لأنّه محفوظ عن التغيّر ، وأمّ الكتاب لإحاطته بالأشياء إجمالًا . ومحلّ القدر عالم النفوس والأشباح ويسمّى النفس الكليّة الفلكيّة بالكتاب المبين لظهور الأشياء فيها تفصيلًا ، والنفس المنطبعة في الجسم الفلكي بكتاب المحو والإثبات لوقوعها « 2 » فيها . قال اللَّه تعالى :
« يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ »
« 3 » . وقال :
« وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ »
أي ما في العقول والأرواح ،
« وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ »
« 4 » أي إلى النفوس والأشباح .
وذلك لأنّ النفوس المنطبعة الفلكيّة وقواها التي هي بمنزلة الخيال فينا لم تحط بتفاصيل ما سيقع من الأمور دفعة واحدة لعدم تناهيها ، بل إنّما ينتقش فيها الحوادث شيئاً فشيئاً وجملة فجملة مع أسبابها وعللها على نهج مستمرّ ونظام مستقرّ ، فإنّ ما يحدث في عالم الكون والفساد إنّما هو من لوازم حركات الأفلاك ونتائج بركاتها بإذن اللَّه ، فهي تعلم أنّه كلّما كان كذا كان كذا ،
هامش
( 1 ) - هود : 105 .
( 2 ) - دا : لوقوعهما .
( 3 ) - الرعد : 39 .
( 4 ) - الحجر : 21 .