وسئل أمير المؤمنين عليه السلام عند انحرافه عن جدار يريد أن ينقض : ( أتفرّ من قضاء اللَّه ؟ قال :
أفرّ من قضائه إلى قدره ) « 1 » .
وأمّا الابتلاء من اللَّه سبحانه ، فهو إظهار ما كتب لنا أو علينا في القدر وإبراز ما أودع فينا وغرز في طباعنا بالقوّة بحيث يترتّب عليه الثواب والعقاب ، فإنّه ما لم يخرج من القوّة إلى الفعل لم يوجد بعد . وإن كان معلوماً للَّهتعالى ، فلا يحصل ثمرته وتبعته اللازمتان . ولهذا قال سبحانه :
« وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ »
« 2 » .
وأمّا الثواب والعقاب ، فهما من لوازم الأفعال الواقعة منّا وثمراتها ولواحق الأمور الموجودة فينا وتبعاتها ليسا يردان علينا من خارج .
فالمجازاة أيضاً هو إظهار ما كتب لنا أو علينا في القدر وإبراز ما أودع فينا وغرز في طباعنا بالقوّة ، كما قال سبحانه :
« سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ »
« 3 » .
وأمّا تفاوت النفوس في ذلك وعدم تساويها في الخيرات والشرور واختلافها في السعادة والشقاوة ، فلاختلاف استعداداتها الماديّة في اللطافة والكثافة والقرب من الاعتدال الحقيقي والبعد عنه ، وتفاوت الأرواح التي بإزائها في الصفاء والكدورة والقوّة والضعف بحسب الفطرة لمناسبة تلك الموادّ وغير ذلك من الأسباب . قال اللَّه تعالى :
« قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ »
« 4 » ، أي ما يوافق استعداده .
وفي الحديث النبوي : ( اعملوا ، فكلّ ميسّر لما خلق له ) « 5 » .
والسرّ فيه إنّما هو تقابل الأسماء الإلهيّة الكماليّة الطالبة لمظاهرها المختلفة ، فإنّ من الواجب أن يكون من جملة صفات الملك وخصوصاً ملك الملوك صفتا لطف وقهر ؛ لأنّهما من أوصاف
هامش
( 1 ) - التوحيد للصدوق رحمه الله ، ص 369 ، ح 8 .
( 2 ) - محمّد : 31 .
( 3 ) - الأنعام : 139 .
( 4 ) - الإسراء : 84 .
( 5 ) - التوحيد للصدوق رحمه الله ، ص 356 ، ح 3 ؛ شرح مائة كلمة ، ص 186 .