وأعظم من ذلك قول الحسين عليه السلام :
هَوّن ما نزل بي أنّه بعين اللَّه .
كلّ ذلك لوُجوهٍ :
الأوّل وهو أفضلها :
للفناء المحض ، وكمال العبوديّة للَّهتعالى ، وعدم الاعتناء بما سواه ، وأنّهُ « 1 » لا يرى نفسه شيئاً ، وذهل عن نفسه مع كمال قربه ، فكيف يتوجّه إلى عدوّه مع كمال بعده ؟ ! فيعدّ الشكوى والانضجار والدعاء عليه ، توجّهاً إلى ما سوى الواحد الأحد المحبوبالصمد ، وذلك انحطاطٌ لمرتبته الشامخة ، بل مناقضةٌ لفنائه المحض .
الثاني :
لأنّ الرضا والتسليم لمشيئة اللَّه تعالى ، من أعلى مراتب العبادة ، وذلك مُنافٍ للمعالجة في الدفع .
الثالث :
للعلم بعموم قدرته وكمال حكمته ، وأنّه تعالى لايعزُب عن علمه مثقال ذرّةٍ ، ولا يتصرّف أحدٌ في سُلطانه أقلّ من رأس إبرةٍ ، وأنّ الملك له لا شريك له ، وأنّه لولا المصلحة التامّة لا يوجد شيءٌ في العالم ؛ لأنّه بشراشره « 2 » في حيطة تصرّفه ، ومدارُه على وفق حكمته .
فكلّ ما يقع من الكائنات لابدّ وأن يكون بعلمٍ سابقٍ من اللَّه وتقديرٍ أزليٍّ وقضاءٍ حتميٍّ ، وخيرُه أكثر من شرّه .
وإلّا لكانت الحكمة الإلهيّة ، والقوّة الربّانيّة مانعةً عن وجوده . وهذا من غير أن يلزم جبرٌ في أفعال العباد ، أو بطلان الثواب والعقاب « 3 » .
هامش
( 1 ) . الضمير يعود إلى الشخص المبتلى .
( 2 ) . الشراشر : الأثقال ، والمراد هنا : جميع شؤون العالم .
( 3 ) . يعني أنّ الإرادة الربّانيّة والحكمة الإلهيّة مهيمنةٌ على كلّ ما يقعُ ، وللَّه أن يفعل ما يشاء ، إلّاأنّه بحكمته جعل الاختيار لعباده ، ولمصلحة خلقه قرّر لهم شريعةً ومنهاجاً ، ليحيى من حيّ عن بيّنة ويهلك من هلك عن بيّنة ، من دونِ أن ينقص من هيمنته شيء ، فهو القاهر فوق عباده ، وبإمكانه سلب ما أعطاهم من الاختيار ، إلّاأنّه لا يظلم أحداً ، ولا يعاقب عبداً إلّاعلى ما اختار العبد من السوء .