ويواصل أولاده بعده تتبع القضية ويصرفون رسوم المحكمة والمحامين ما يكلفهم في أغلب الأحيان ثمن المسكن نفسه ، ومن المحكمة الابتدائية إلى محكمة الاستئناف ثم إلى التعقيب وفي النهاية يكون الجميع غير راضين بعد ما يكونون قد أنهكوا بالتعب والمصاريف والرشوة ، والعداوة والبغضاء بين عشائرهم وذويهم .
أجابني أبو شبر ، وعندنا أيضاً نفس الشيء أو أكثر فقلت : كيف ؟
قال : إذا رفع الناس شكواهم إلى المحاكم الحكومية ، فيكون مثل ما حكيت أما إذا كانوا يقلدون المرجع الديني ويلتزمون بالأحكام الإسلامية ، فلا يرفعون قضاياهم إلا إليه فيفصلها في بضع دقائق كما رأيت ، ومن أحسن من الله حكماً لقوم يعقلون ؟
والسيد الصدر لم يأخذ منهم فلساً واحداً ، ولو ذهبوا إلى المحاكم الرسمية لتعرت رؤوسهم . ضحكت لهذا التعبير الذي هو سار عندنا أيضاً وقلت : سبحان الله ! أنا لا زلت مكذباً ما رأيت ، ولولا ما شاهدته بعيني ما كنت لأصدق أبداً .
فقال أبو شبر : لا تكذب يا أخي فهذه بسيطة بالنسبة إلى غيرها من القضايا التي هي أشد تعقيداً وفيها دماء ، ومع ذلك يحكم فيها المراجع ويفصلونها في سويعات .
فقلت متعجباً : إذا عندكم في العراق حكومتان ، حكومة الدولة وحكومة رجال الدين .
فقال : كلًا عندنا حكومة الدولة فقط ، ولكن المسلمين من الشيعة الذين يقلدون مراجع الدين ، لا علاقة لهم بالحكومة ، لأنها ليست حكومة إسلامية فهم خاضعون لها بحكم المواطئية والضرائب والحقوق المدنية والأحوال الشخصية ، فلو تخاصم مسلم ملتزم مع أحد المسلمين غير الملتزمين فسوف يضطر حتماً لرفع قضيته إلى محاكم الدولة ، لأن هذا الأخير لا يرضى بتحكيم رجال الدين - أما إذا كان المتخاصمان متلزمين فلا إشكال هناك ، وما يحكم به المرجع الديني نافذ على الجميع . وعلى هذا الأساس تحل القضايا التي يحكم فيها المرجع في يومها بينما تظل القضايا الأخرى شهوراً بل أعواماً .
إنها حادثة حركت في نفسي شعور الرضى بأحكام الله سبحانه وتعالى وفهمت معنى قوله تعالى في كتابه المجيد :
( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ .
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ