لاتَلْحَمَنَّ ذِئابَ النّاسِ أنْفُسَكم * إنَّ الذِئابَ إذَا مَا ألحَمَتْ رَتَعُوا
لا تَبْقَرنَّ بِأيدِيكم بُطُونَكم * فَثَمَّ لا حَسْرةٌ تُغْنِي وَلا جَزَعُ « 1 »
وربما كان الحجاز يفور بالفتنة في هذا العصر بسبب ذلك التهتّك والاستهتار بالدين إلى جانب شعوره بزوال سيطرته على الحكم ، وصيرورته بدون دور في ميزان السياسة ، مع أنّه صاحب الحقّ الشرعي في الخلافة ، وكان يشعر أنّ الأمويين مفسدون ومغتصبون لها ، ولهذا كانت وقعة الحرّة عام 63 ه تنفيساً عن هذه المعاني أو بعضها حتى إننا نجد ابن الغسيل ينشد في أثناء قتاله جيش يزيد : « 2 »
بُؤسَاً لِمنْ شَدَّ فَسَادَاً وَطَغَى * وَجانَبَ القَصْدَ وَآيَاتِ الهُدَى
لا يُبْعِدُ الرّحْمنُ إلّا مَنْ عَصَى
ومن اللافت للنظر أن يتصدّى لهؤلاء الولاة شعراء لم يرهبوا جانب الدولة ولم يخرسوا أصواتهم ، أو يسكتوا ، فأماطوا اللّثام عن وجوه هؤلاء الولاة ، وفضحوا سلوكهم الفاسد بوعىٍ ينمّ عن معرفة واسعة لمجرى الأحداث .
الهجاء السياسي في العصر العباسي
وفي العصر العباسي أصبح الشعر منبراً لنقل معاناة الناس وشكواهم من إجحاف الولاة وإرهاق الخلفاء للرعية بالجبايات ، وزخرت كتب الأدب بهذا النوع من الشعر مرتبطاً بأسماء الشعراء صراحة عندما كانت السلطة العباسية في أوج ازدهارها ؛ ثم نرى تغييباً لأسماء الشعراء عندما بدأت بالتقهقر والانحدار ، وتراجعت حرية الرأي ، وأصبح الشعراء يخافون من غضب السلطة ، ولكن دائماً كان الشاعر ضمير المجتمع المعبر بشعره عن المظالم مطالباً برفعها وإحقاق حقوق الناس . ومن الشعر الموجه للسلطة ما قاله ابن مناذر في خالد بن عبد الله بن
هامش
( 1 ) - بقَرَ البطن ونحوه - بَقراً : شقّه . زيدان ، جرجي ، ج - 4 ص 120 .
( 2 ) - البلاذري ، أنساب الأشراف ، ج - 5 ص 344 .