الملك الذي تجاهل مكانة الإمام حينما ازدحمت عليه الجماهير متبركة به في طوافه حول البيت المقدس ، وقال هشام لأهل الشام حين سألوه عنه إني لا أعرفه فأنشد الفرزدق منكراً على هشام ومعرفاً للإمام : « 1 »
هَذَا الّذِي تَعْرِفُ البَطْحَاءُ وَطْأتَهُ * وَالبَيْتُ يَعْرِفُهُ وَالحِلُّ وَالحَرَمُ
هَذَا بْنُ خَيْرِ عِبَادِ اللهِ كُلِّهِم * هَذَا التَقِيُّ النَقِيُّ الطَّاهِرُ العَلَمُ
وَلَيسَ قَوْلُكَ مَنْ هَذَا بِضَائرِهِ * العُرْبُ تَعْرِفُ مَنْ أنْكَرْتَ وَالعَجَمُ
وتعرض الفرزدق لسخط هشام ونقمته فأودعه في السجن فقال الفرزدق يهجوه : « 2 »
يُقَلِّبُ عَيْنَاً لمْ تَكُنْ لِخَليفَةٍ * مُشَوَّهَةً حَولاءَ بادٍ عُيوبُها « 3 »
ويرفع الفرزدق صوته في وجه الخليفة الوليد بن عبد الملك صارخاً من ظلم العامل الذي أفرط في سوء معاملة الرعية وشقّ عليهم ، فضربهم بالسّياط حتّى ألجأهم إلى أخذ الرّبا ليوفوا ما يطلبه . اسمعه يقول : « 4 »
فَكيفَ بِعامِلٍ يَسْعَى عَلَيْنا * يُكلِّفُنَا الدَّرَاهِمَ في البُدُورِ « 5 »
وَأنّى بِالدَّرَاهِمِ وَهْىَ مِنّا * كرَافِعِ رَاحَتَيْهِ إلى العَبُورِ « 6 »
إذا سُقْنا الفَرَائضَ لَمْ يُرِدْهَا * وَصَدَّ عَنِ الشُّوَيهَةِ وَالبَعِيرِ « 7 »
إذا وَضَعَ السّياطَ لَنَا نَهاراً * أخَذْنا بِالرّبا سَرَقَ الحَرِيرِ « 8 »
هامش
( 1 ) - الفرزدق ، الديوان . ج - 2 ص 353 .
( 2 ) - السابق ، ج - 1 ص 83 .
( 3 ) - يعيّره بعينه الشوهاء الحولاء ، وهى لا تصلح للخليفة ولا تليق به .
( 4 ) - السابق ، ج - 2 ص 469 .
( 5 ) - يشكو أحد عمّاله الذي يقتضيهم المال في مطالع الشهور .
( 6 ) - العبور : أحد نجمين بجوار الجوزاء . يقول : إنّ المال هو أبعد عنهم من النجوم النائية .
( 7 ) - الشويهة : مصغّر الشاة ، وهى الواحدة من الضأن والمعز والظباء والبقر والنعام وحمر الوحش . يقول : إنهم يبذلون له الشياه أي الشويه والبعران وهو يقتضي المال عيناً .
( 8 ) - يقول : إنّه يضربهم بالسياط ، فيطلبون الدّين بالفائدة الفاحشة وليس الربى سوى ضرب من السرقة الناعمة كالحرير .