فالهجاء هو أدب الغضب المباشر والثورة المكشوفة على حين أنّ السخرية أدب الضحك القاتل والهزء المبنى على شئ من الالتواء والغموض . وتختلف نظرة الساخر إلى الموضوع عن نظرة الهجّاء حيث أنّ « الساخر يستملي عقله ، أمّا الهجّاء فإنّه يفعل ذلك جادّاً » « 1 » وتظهر عليه علامات الغضب والانفعال . أمّا الساخر يداريها خلف ضحكة تخفي وراءها مدلولات عميقة شتى .
التعريف بالهجاء السياسي
إن الحديث عن الهجاء السياسي يتطلّب أن نمهّد الأرضية لذلك بتعريف السياسة وعلاقتها بالأدب والشعر السياسي .
السياسة
أخذت هذه الكلمة عن مادة " سوس " فجاء في لسان العرب : ساس الأمر سياسةً : قام به . ويقال : سُوِّسَ فلانٌ أمرَ بني فلانٍ ، أي : كلٍّفَ سياستهم . سُستُ الرعية سياسةً ، وسُوِّس الرجل أمور النّاس : مُلِّك أمرهم . ويروى صاحب لسان العرب استشهاداً لهذا المعنى قول الحطيئة :
لَقَدْ سُوِّسْتُ أمْرَ بَنِيك حتّى * تَرَكْتُهم أدَقَّ مِنَ الطَّحِينِ
والسياسة القيام على الشئ بما يصلحه . والسياسة فعلُ السائس . يقال : هو يسوس الدوابّ إذا قام عليها وراضها ، والوالي يسوس رعيّته « 2 » حين ندقّق النظر في المعنى اللغوي لهذه الكلمة نرى أنّه يرجع إلى « تدبير شؤون النّاس وتملك أمورهم والرياسة عليهم ونفاذ الأمر إليهم » . « 3 » هذا يتطلّب وجود قومٍ ذوي أمور اجتماعية وسياسية واقتصادية مشتركة يجتمعون في مكانٍ ما ، ويتولّى تدبير أمورهم رئيس يتمتّع بنفاذ الأمر .
هامش
( 1 ) - المعاملي ، ص 10 .
( 2 ) - انظر : ابن منظور ، لسان العرب مادة سوس .
( 3 ) - الشايب ، أحمد . تاريخ الشعر السياسي إلى منتصف القرن الثاني ، الطبعة 5 ، دار القلم ، بيروت ، 1976 م ، ص 1 .