إنَّك مِنّي يا عَليّ الأبيُّ * بِحيثُ مِن موساهُ هارونُ النَّبيّ
لكنَّهُ ليسَ نَبيَّاً بَعدِي * فَأنتَ خَيرُ العالَمِينَ عِندي
وَأنتَ منّي الزرّ من قَميصِي * وَما لِمَنْ عَادَاك مِنْ مَحِيصِي
ولا شك أنّ المزدوج يعطي الشاعر حريّة كبيرة في التعبير وخاصةً في الهجاء السياسي الذي يعبّر عن دقائق فكرية ومشكلات زمنية عويصة وشائكة .
البديع وأثره في التشكيل الهجائي
أقبل شعراء الشيعة في معظم هجائهم السياسي على البساطة والتلقائية ، ولم يؤثروا استخدام المحسنات البديعية ، ولعلّ السبب يعود إلى الدوافع التي خرجت عنها أشعارهم . فالشعر الذي يهجو فيها الشاعر وينتقد واقعاً يصدر من نفسية غاضبة ، كلّ اهتمامه وصول شعره إلى غرضه ، فلذلك لم يهتمّوا بالمحسّنات .
وإذا كانت غالبية أساليب الهجاء عند هؤلاء الشعراء مطبوعة غير متكلّفة ، فإنّ بعض نماذجه لا تخلو من التصنّع ، فقد توسّلوا ببعض أنواع البديع في معرض ذمّهم وازدرائهم بمهجوّيهم . من تلك النماذج الطباق والتورية ، اللذان نراهما في صورة فكهة ضاحكة رسمها دعبل لبني بسّام من خلال هجائه لهم : « 1 »
يَا آلَ بَسَّامٍ فِي المَخَازِي * وَعَابِسِي الوَجْهِ فِي السُّؤَالِ
حَوَاجِبٌ كالحِبالِ سُودٌ * إلَى عَثَانِينَ كالمَخَالِي
وَأَوْجُهٌ جَهْمَةٌ غِلَاظٌ * عُطْلٌ مِنَ الحُسْنِ وَالجَمَالِ
فأراد من « بسّام » معنى الضحك نظراً لإتيانه بكلمة « عابسي الوجه » في الشطر الثاني ، كما أنّه طابق بين هاتين الكلمتين . والطباق عنصر أساسي في هجاء دعبل السياسي ، لأنه يستخدم في سخريته بصفة خاصة عنصر التضاد استخداما ظاهراً وواسعاً ، ومنها قوله :
الحَمْدُ لِلّهِ لا صَبْرٌ وَلا جَلَدٌ * وَلا عَزاءٌ إذَا أهْلُ البَلا رَقَدُوا
هامش
( 1 ) - دعبل الخزاعي ، الديوان ، ص 271 .