السياسي من وضوح القصد . يقول الشاعر لمّا مات المعتصم وقام الواثق مقامه : « 1 »
الحَمْدُ لِلّهِ لا صَبْرٌ وَلا جَلَدٌ * وَلا عَزاءُ إذَا أهْلُ البَلا رَقَدُوا
خَلِيَفَةٌ ماتَ لَمْ يَحْزَنْ لَهُ أحَدٌ * وَآخَرُ قَامَ لَمْ يَفْرَحْ بِهِ أحَدُ
فَمَرّ هذا وَالشُّؤمُ يَتْبَعُهُ * وَقَامَ هَذا فَقَامَ الوَيْلُ وَالنَّكدُ
كان دعبل بهده الأبيات لسان الشعب في التعبير عن موقفه إزاء الحوادث ، فنستطيع أن نسمع صوت الشعب قوياً واضحاً ، وهو يعلن هذا الرفض في أكثر من صورة وبأكثر من أسلوب ، فيتهكم بالحكم والحاكمين . وهذا يدل على أن الشعب سئم من الخليفة وأصبح وجوده وعدمه سيّين عنده . والنموذج الذي ذكرناه « يعد من قمّة الشعر الساخر الذي عرفته عصور الأدب بحيث يعدّ وثيقة لمهزلة حكم السلاطين الذين يموتون فلم يحزن عليهم أحد ، وينصبون فلم يفرح بهم أحد ، حيث تظلّ أمثلة هذا الشعر الساخر تعبيراً عن الحقائق الاجتماعية التي تتحدث عن أصوات الرأي العام وتصوراتهم للسلاطين » . « 2 » إنّا نستنبط ممّا سبق نقطتين هامتين :
الأولى : ليس للسلطة العباسية مشروعية دينية ، لأنّها قامت على أساس الخديعة وغتصبت السلطة من أصحابها الحقيقيين وهم أهل البيت عليهم السلام .
الثانية : أن الحكومة لدى العباسيين لا تتمتع بميزة المقبولية عند جمهور الشعب ، فلذلك لم يحزن أحد لفقد الخليفة . فالشاعر لم يكن يستطيع التعبير عن هذه النقطة بألفاظ أخرى ، وهذه الأبيات تؤدي مدلولها بصورة دقيقة .
وهل هناك هجاء أقسى من وصف الخليفتين بأهل البلاء ؟ يقول الشاعر إنّنا نشعر بالرّاحة إذا مات أهل البلاء ، ووضعوا في القبور . ثمّ كنّى الشاعر بجملة " خليفة مات " عن المعتصم ، وبجملة " وآخر قام " عن الواثق الذي قام مقام المعتصم . غير أنّ المسألة الهامّة التي تلفت
هامش
( 1 ) - السابق ، ص 168 .
( 2 ) - البستاني ، محمود ، 525 .