هجاء الواثق
تولّى الواثق الخلافة بعد المعتصم فأرسل إليه دعبل بطاقة تهنئة بمناسبة تسلمه منصبه الجديد على طريقته الخاصة في السخرية ضمَّنها أبياتاً في كتابٍ وسلّمه إلى الحاجب وقال له : بلّغ أمير المؤمنين السلام وقل له هذه أبياتٌ امتدحك بها دعبل :
الحَمْدُ لِلّهِ لا صَبْرٌ وَلا جَلَدٌ * وَلا عَزاءُ إذَا أهْلُ البَلا رَقَدُوا
خَلِيَفَةٌ ماتَ لَمْ يَحْزَنْ لَهُ أحَدٌ * وَآخَرُ قَامَ لَمْ يَفْرَحْ بِهِ أحَدُ
فَمَرّ هذا وَالشُّؤمُ يَتْبَعُهُ * وَقَامَ هَذا فَقَامَ الوَيْلُ وَالنَّكدُ
فلما قرأها الواثق أمر بالقبض عليه بكلّ وسيلة فلم يقدر لأنّه اختفى حين سلّمها للحاجب وظلّ مختفياً حتى مات الواثق .
هجاء المتوكل
حين ولى المتوكل الخلافة سنة 232 ه كان دعبل قد أسنَّ وجاوز الثمانين إلّا أنّ هذا لم يعقه من الهجاء والصراع السياسي مع السلطة الحاكمة ، فلمّا سمع أنّ المتوكل أخذ يتعقّب الشيعة ويعاقب شعراءهم ويضيق الخناق عليهم بهدم قبور أهل البيت عليهم السّلام في كربلاء والنجف وتسويتها بالأرض وحراثتها ومنع النّاس من زيارتها ، خرج الشاعر بشعر يشتم فيه المتوكل ولكنّ هذا الشعر ضاع كلّه ولم يبق بين أيدينا إلّا بيتٌ واحد : « 1 »
وَلَسْتُ بِقائلٍ قَذْعَاً وَلكنْ * لِأمرٍ مَا تَعَبَّدَك العَبِيدُ « 2 »
ويتّصل بمضمون الهجاء السياسي عند دعبل ما يُعرَف بالهجاء المقذع الساخر ، فإنّه خرج في بعض هجائه السياسي عن حدود الآداب المعروفة عند الشعراء ودخل في باب سبابٍ غير لائق كما نرى في البيت السابق ، ونعلّل ذلك بطبيعة الشاعر الصريحة في فضح السلطة الحاكمة بمعانٍ مخزية . ولعلّه فعل ذلك عندما نفد صبره وضاق صدره ، فأضحك النّاس على
هامش
( 1 ) - السابق ، ص 171 .
( 2 ) - القذع : الفحش . تعبّده : صيَّره كالعبد . وفي البيت تلميح عن الأُبنة .