تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التطورات النحوية في اللغة العربية من البداية حتى الآن — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
وَلَا فَتْرَةُ الابْدَانِ ، ولَا غَفْلَةُ النِّسْيَانِ . وَمِنْهُمْ أُمَنَاءُ عَلَى وَحْيِهِ ، وأَلسِنَةٌ إِلَى رُسُلِهِ ، وَمُخْتَلِفُونَ بِقَضَائِهِ وَأَمْرهِ . وَمِنْهُمُ الحَفَظَةُ لِعِبَادِهِ ، وَالسَّدَنَةُ ( 2 ) لِابْوَابِ جِنَانِهِ . وَمِنْهُمُ الثَّابِتَةُ في الْارَضِينَ السُّفْلَى أَقْدَامُهُمْ ، وَالمَارِقَةُ مِنَ السَّماءِ العُلْيَا أَعْنَاقُهُمْ ، والخَارجَةُ مِنَ الْاقْطَارِ أَرْكَانُهُمْ ، وَالمُنَاسِبَةُ لِقَوَائِمِ العَرْشِ أَكْتَافُهُمْ ، نَاكِسَةٌ دُونَهُ أَبْصارُهُمْ ، مُتَلَفِّعُونَ ( 3 ) تَحْتَهُ بِأَجْنِحَتِهِمْ ، مَضْرُوبَةٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مِنْ دُونَهُمْ حُجُبُ العِزَّةِ ، وَأسْتَارُ القُدْرَةِ ، لَا يَتَوَهَّمُونَ رَبَّهُمْ بالتَّصْوِيرِ ، وَلَا يُجْرُونَ عَلَيْهِ صِفَاتِ المَصْنُوعِينَ ، وَلَا يَحُدُّونَهُ بِالْاماكِنِ ، وَلَا يُشِيرُونَ إِلَيْهِ بِالنَّظَائِرِ . ثُمَّ جَمَعَ سُبْحَانَهُ مِنْ حَزْنِ ( 4 ) الْارْضِ وَسَهْلِهَا ، وَعَذْبِهَا وَسَبَخِهَا ( 5 ) ، تُرْبَةً سَنَّهَا بالمَاءِ ( 1 ) حَتَّى خَلَصَتْ ، وَلَاطَهَا ( 2 ) بِالبَلَّةِ ( 3 ) حَتَّى لَزَبَتْ ( 4 ) ، فَجَبَلَ مِنْها صُورَةً ذَاتَ أَحْنَاء ( 5 ) وَوُصُول ، وَأَعْضَاء وَفُصُول : أَجْمَدَهَا حَتَّى اسْتَمْسَكَتْ ، وَأَصْلَدَهَا ( 6 ) حَتَّى صَلْصَلَتْ ( 7 ) ، لِوَقْت مَعْدُود ، وَأجَل مَعْلُوم ، ثُمَّ نَفَخَ فِيها مِنْ رُوحِهِ فَمَثُلَتْ ( 8 ) إِنْساناً ذَا أَذْهَان يُجيلُهَا ، وَفِكَر يَتَصَرَّفُ بِهَا ، وَجَوَارِحَ يَخْتَدِمُهَا ( 9 ) ، وَأَدَوَات يُقَلِّبُهَا ، وَمَعْرِفَة يَفْرُقُ بِهَا بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ ، والاذْوَاقِ والَمشَامِّ ، وَالْالوَانِ وَالْاجْنَاس ، مَعْجُوناً بطِينَةِ الْالوَانِ الُمخْتَلِفَةِ ، وَالاشْبَاهِ المُؤْتَلِفَةِ ، وَالْاضْدَادِ المُتَعَادِيَةِ ، والْاخْلاطِ المُتَبَايِنَةِ ، مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ ، وَالبَلَّةِ وَالْجُمُودِ ، وَالْمَساءَةِ وَالسُّرُورِ ، وَاسْتَأْدَى اللهُ سُبْحَانَهُ المَلائكَةَ وَدِيعَتَهُ ( 1 ) لَدَيْهِمْ ، وَعَهْدَ وَصِيَّتِهِ إِلَيْهمْ ، في الْاذْعَانِ بالسُّجُودِ لَهُ ، وَالخُنُوعِ لِتَكْرِمَتِهِ ، فَقَالَ عزَّمِن قائِل : ( اسْجُدُوا لِادَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ ) وَقَبِيلَهُ ، اعْتَرَتْهُمُ الحَمِيَّةُ ، وَغَلَبَتْ عَلَيْهِمُ الشِّقْوَةُ ، وَتَعَزَّزُوا بِخِلْقَةِ النَّارِ ، وَاسْتَوْهَنُوا خَلْقَ الصَّلْصَالِ ، فَأَعْطَاهُ اللهُ تَعالَى النَّظِرَةَ اسْتِحْقَاقاً لِلسُّخْطَةِ ، وَاسْتِتْماماً لِلْبَلِيَّةِ ، وَإِنْجَازاً لِلْعِدَةِ ، فَقَالَ : ( إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ) . ثُمَّ أَسْكَنَ سُبْحَانَهُ آدَمَ دَاراً أرْغَدَ فِيهَاعَيْشَهُ ، وَآمَنَ فِيهَا مَحَلَّتَهُ ، وَحَذَّرَهُ إِبْلِيسَ وَعَدَاوَتَهُ ، فَاغْتَرَّهُ ( 2 ) عَدُوُّهُ نَفَاسَةً عَلَيْهِ بِدَارِ الْمُقَامِ ، وَمُرَافَقَةِ الْابْرَارِ ، فَبَاعَ الْيَقِينَ بِشَكِّهِ ، وَالعَزِيمَةَ بِوَهْنِهِ ، وَاسْتَبْدَلَ بِالْجَذَلِ ( 3 ) وَجَلًا ( 4 ) ، وَبِالْاغْتِرَارِ نَدَماً . ثُمَّ بَسَطَ اللهُ سُبْحَانَهُ لَهُ في تَوْبَتِهِ ، وَلَقَّاهُ كَلِمَةَ رَحْمَتِهِ ، وَوَعَدَهُ المَرَدَّ إِلَى جَنَّتِهِ ، فَأَهْبَطَهُ إِلَى دَارِ الَبَلِيَّةِ ، وَتَنَاسُلِ الذُّرِّيَّةِ . وَاصْطَفى سُبْحَانَهُ مِنْ وَلَدَهِ أَنْبيَاءَ أَخَذَ عَلَى الْوَحْيِ مِيثَاقَهُمْ ( 1 ) ، وَعَلَى تَبْليغِ الرِّسَالَةِ أَمَانَتَهُمْ ، لَمَّا بَدَّلَ أَكْثَرُ خَلْقِهِ عَهْدَ اللهِ إِلَيْهِمْ ، فَجَهِلُوا حَقَّهُ ، واتَّخَذُوا الْانْدَادَ ( 2 ) مَعَهُ ، وَاجْتَالَتْهُمُ ( 3 ) الشَّيَاطِينُ عَنْ مَعْرفَتِهِ ، وَاقتَطَعَتْهُمْ عَنْ عِبَادَتِهِ ، فَبَعَثَ