تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التطورات النحوية في اللغة العربية من البداية حتى الآن — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
إلا من حضر هذا العيد قبل هذا ، بما جاء الشيخ الهرم الذي ذهبت قوته وعمي بصره والعجوز الشوهاء وهي ترجف من الكبر فيصعدان على ذلك الحجر ، نادى بأعلى صوته قد لا يجيء أحد وقد يكون قد فني ذلك القرن بأسره . فمن صعد على ذلك الحجر نادى بأعلى صوته قد حضرت العيد السابق وأنا طفل صغير وكان ملكنا فلانا ووزيرنا فلانا وقاضينا فلانا . ثم يصف الأمم الماضية من ذلك القرن كيف طحنهم الموت وأكلهم البلى وصاورا تحت أطباق الثرى ، ثم يقوم خطيبهم ، فيعظ الناس ويذكرهم الموت وغرور الدنيا ولعبها بأهلها ، فيكثر في ذلك اليوم البكاء وذكر الموت والتأسف على صدور الذنوب والغفلة عن ذهاب العمر ، ثم يتوبون ويكثرون الصدقات ويخرجون من التبعات . ومن عاداتهم أيضا أنه إذا مات ملك من ملوكهم أدرجوه في أكفانه ووضعوه على عجلة وشعر رأسه يسحب على الأرض وخلفه عجوز بيدها مكنسة تدفع بها ما تعلق من التراب بشعره وهي تقول : اعتبروا أيها الغافلون شمروا ذيل الجد أيها المقصرون المغترون وهذا ملككم فلان انظروا إلى ما صيرته إليه الدنيا بعد ذلك العزة والجلالة ولا تزال تنادي خلفه كذلك إلى أن تدور به جميع أزقة البلد . ثم يودع في حفرته وهذا رسمهم في كل ملك يموت في أرضهم . قال بعض الأبدال : مررت ببلاد المغرب على طبيب والمرضى بين يديه وهو يصف لهم علاجهم . فتقدمت إليه وقلت عالج مرضي يرحمك الله . فتأمل في وجهي ساعة ثم قال : خذ عرق الفقر وورق الصبر مع اهليلج التواضع واجمع الكل في إناء اليقين ، وصبّ عليه ماء الخشية وأوقد تحته نار الحزن ثم صفه بمصفاة المراقبة في جام الرضا وامزجه بشراب التوكل وتناوله بكف الصدق واشربه بكأس الاستغفار وتمضمض بعده بماء الورع واحتم عن الحرص والطمع فإن الله سبحانه يشفيك إن شاء الله . قال بعض العباد : خرجت يوما إلى المقابر فرأيت البهلول فقلت ما تصنع هنا ؟ قال أجالس قوما لا يؤذوننى وإن غفلت عن الآخرة يذكرونني وإن غبت لم يغتابوني . وقيل لبعض المجانين وقد أقبل من المقبرة من أين جئت ؟ فقال من هذه القافلة النازلة . قيل : ماذا قلت لهم ؟ قال : قلت لهم متر ترحلون فقالوا حين تقدمون . كان بعض أهل الكمال يقول : إذا رأيت الليل مقبلا فرحت وأقول أخلو بربي وإذا رأيت الصبح قريبا استوحشت كراهة لقاء من يشغلني عن ربي . قال هرم بن