2 - 1 الهجاء الكاريكاتوري وليد الهجاء والسخرية
مما أسلفنا في تعريف الهجاء ، أنّه فن أدبي قديم « يقوم على تقبيح صورة فرد ، أو جماعة ، أو عادة من العادات ، أو مظهر من مظاهر الحياة والوجود ، وهو تعبيرعن احتقار الشاعر للمهجو والرغبة في الحط من شأنه والهزء به ومسخه ما أمكن إلى ذلك سبيلا » ( بديع يعقوب ، ميشال عاصي 1281 : 2 ) ، وبالتقائه السخرية وامتزاجه بها من ناحية الوظيفة ، خاصة في العصر العباسي ، وجد فرصة ذهبية ليقدّم ما أمكن تقديمه من طاقاته المخزونة ويخلق لونا جديدا يحتاج إلى كثير من البراعة ، على أيدي من أجادوا في هذا الميدان من الشعراء والأدباء .
ولابدّ هنا أن ننتبه إلى هذه الحقيقة وهي أنّ هناك خلافاً بيّناً بين الهجاء والسخرية ؛ وذلك لأنّ الهجاء هجوم مباشر وسب صريح ، قد يبلغ حدود الفحش والإقذاع ويصدر عن نفس واجدة غاضبة حاقدة ( انظر : محمد الحوفي ، الفكاهة في الأدب 217 ) ، تهدف إلى التجريح والتشهير والانتقاص ، والمبالغة في التعدي ردا على اعتداء ، أو استجابة إلى دواعي العصبية أو غير ذلك من الأسباب ، لكن السخرية طريقة غير مباشرة في الهجوم ، وتعبير يتلطّف فيه صاحبه ويلين ، ومن وراء هذا اللطف وذلك اللين لذع خفي وإيلام وإيجاع لا يدل عليه ظاهر الكلام ، وإنما يختفي بين طياته ويتستر في زواياه ، ولكن سعير ناره يشعّ من الأسلوب فيعمى ويصم .
وهذا لا يعني انكار الصلة الوثيقة بين الهجاء والسخرية في الهجاء الساخر فبالرغم من هذا الخلاف نجد في هذا اللون من الهجاء تمازجاً تاماً بينهما في الأسلوب ، حيث إنّ الهجاء الساخر في نفس متهكمة ناقدة يتجاوز مرحلة الموجدة والغضب ويدخل في مرحلة التأمل
و