استمر على نشر العلم ونهض بأعباء التدريس والتثقيف الثقيلة ، فكان العَلَم الماثل والموئل المقصود الذي تتهافت عليه الطلاب زرافات ووُحداناً .
وصفه بعض تلامذته المترجمون له بقوله : مجموعة الكمالات بأسرها ، فهو فقيه الدنيا وعالم الدهر وحكيم العالم ومتكلم العصر وشاعر الوقت وعارف الزمن .
درّس عدة دورات في الفقه والأصول ، وآخر دورة كاملة في الأصول شرع بها في شوال سنة 1344 وأنهاها سنة 1359 ، وهي أطول دورة له حقّق فيها كثيراً من المباحث الغامضة .
حاول أن يصفي أصول الفقه من المباحث الثانوية التي تسربت إليه وسببت بطء سير الطالب الحوزوي في مسيرته العلمية ، فبدأ بتدريس هذا العلم على نمط خاص وتقسيم جديد فيه الشيء الكثير من تعديل المباحث وحذف ما لا يمتّ بصلة وثيقة في عملية الاستنباط الفقهي ، ولكن لم يوفَّق إلى تحقيق هذا الهدف فتوفي قبل أن يتم دورته الأصولية الجديدة .
عدّد الشيخ محمد حرز الدين في معارف الرجال جماعة من تلامذة الشيخ البارزين .
رجع إليه في التقليد جماعة في العراق وإيران ، وطبعت رسالته العملية المسماة ب « الوسيلة » في بغداد سنة 1356 ، ولكن لم تدم أيامه فتوفي قبل أن تعم مرجعيته بين الناس .
موضعه من نفوس تلامذته وعارفيه :
قال تلميذه المفضَّل الشيخ محمدرضا المظفر :
« من الظواهر العجيبة التي تسترعي النظر تفاني تلاميذه في حبه ، وشدة تعلقهم به وإعجابهم بشخصه الكريم إلى حدّ التقديس ، ويُعزى ذلك إلى أمرين :
إلى ما يرونه فيه من المواهب النادرة التي لم يجدوها في غيره ممن رأوا وسمعوا ، تلك المواهب التي يمنحها اللَّه تعالى للنوابغ من خلقه في الفينة بعد الفينة وفي الفترة بعد الفترة ، مواهب العقل الجبار والخلق الإلهي .
وإلى ما كانوا يرون فيه مثالًا للأب الرؤف والأستاذ العطوف ، يحنو على الصغير والكبير ويعني بحياتهم العلمية بالصغيرة والكبيرة .
فهل من اللوم على من لم يستوف حظه من معارفه إذا بقي بعده في حيرة التائه ووحشة المنفرد الذي لا يجد من يركن إليه ليتم ما اطرد من حياته العلمية . إن مفاجئة موته كانت صدمة عنيفة على تلاميذه لم يحسبوا لها الحساب » .