تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المفصل فى تراجم الاعلام — صفحة 360

مساهمون:

ص٣٦٠
بين تلامذة الآخوند الخراساني - بالعبقرية العلمية ، وقد حُظي باحترام أساتذته وتقديرهم ، ونظر إليه النابهون من أهل العلم بعين الإكبار وهو بعد في دور التلمذة .

المدرس الأفضل :

بدأ شيخنا صاحب الترجمة بالتدريس في الفقه والأصول خارجاً في حياة أستاذيه الكاظمين ، والتف حوله لفيف من الطلبة الشباب الأفاضل ، وأقبلوا على دروسه ومحاضراته إقبالًا جعلته من المدرسين الممتازين ، وذلك لما كان يمتاز به من حسن الالقاء وعذوبة المنطق ووضوح البيان ، فلا تعقيد في محاضراته ولا التواء فيما يبديه من الأفكار العلمية الناضجة . استقل بالتدريس بعد وفاة أستاذه الآخوند الخراساني في سنة 1329 ، وذاع اسمه في الأوساط العلمية العالية وقرن بكبار المدرسين وأجلاء العلماء ، وعُرف بالتحقيق والتدقيق وأصالة الرأي وغزارة المادة والفكر الصائب ، وكان مجلس درسه مفضَّلًا على مجالس غيره من كبار المدرسين ، ولا سيما في علم أصول الفقه الذي اشتهر به وتفوق في مبانيه ومباحثه . درّس شيخنا أكثر من ثلاثين سنة في الفقه والأصول ، وتخرّج عليه مئات من المجتهدين الأفاضل والعلماء الأكابر وأصحاب الرأي والفتوى ، وأصبحت آراؤه حجة في المشاكل العلمية وقوله الفصل عند أهل الحلّ والعقد ، وهو يُعتبر من المجددين في علم الأصول بما ابتكر من آراء سديدة ونظريات صائبة رشيدة . كان في مجلس درسه يمثل الحرية الفكرية بأجلى مظاهرها ، يقبل على مناقشات تلامذته ويشجعهم على البحث والنقاش لتتبلور أفكارهم العلمي وتنضج آراؤهم وتخرج من الجمود « 1 » .
هامش
( 1 ) . كان والدي من تلامذة الشيخ العراقي ، وكان يأخذني معه إلى مجالس الدرس المنعقدة في مسجد الشيخ الطوسي ، ولازلت أذكر منتهى بساطة المدرس في ملبسه ومجلسه وأخلاقه وتصرفاته ، يجلس للتدريس على خيام ملفوفة وضعت في جانب من المسجد يُستفاد منها لأيام العزاء في شهري محرم وصفر ، يجلس الشيخ عليها عوضاً عن المنبر ويلقي دروسه على تلامذته المحتفين حوله جلوساً على الأرض ، الأقربون إلى موضع جلوسه هم الأفاضل المتقدمون في العلم ، كالسيد يحيى المدرسي اليزدي والسيد محمود المرعشي والشيخ ميرزا هاشم الآملي والشيخ محمدتقي البروجردي والسيد عبد اللَّه الشيرازي . كان النقاش يحتدّ في بعض الأحيان وتعلو الأصوات ، يحسبه البعيد عن هذه المشاهد تجرياً على الأستاذ يخدش من كرامته ، ولكن الأستاذ والتلامذة يعتزون بمواقفهم هذه ، فالأستاذ لأنه يرى ثمرات أتعابه العلمية ويلمس نتائج جهده في تنشئة أفاضل بلغوا مرتبة الإجتهاد ، والتلامذة لأنهم يجدون بنقاشهم صقلًا لعقولهم وكشفاً لما أبهم عليهم من المسائل المستصعبة بتوجيه أستاذهم الذي يفسح لهم المجال للمناقشة . وهذا غاية ما يهدفه الأستاذ والتلميذ . كان تلامذة الشيخ كثيري الاحترام لأستاذهم في حياته وبعد وفاته ، ينظرون إليه بعين الإكبار ويعظمون مقامه العلمي . بعد وفاته كان تلامذته الذين سبق ذكرهم بأسمائهم يجتمعون كل ليلة بعد الصلاة في مقبرته برعاية صهره السيد مهدي الامامي الأصبهاني ، والأحاديث كلها كانت مناقشات علمية في الفقه والأصول ، كأنهم كانوا يجدّدون بهذه الجلسة المستمرة ذكرى مجلس درس الأستاذ واستعادة آرائه العلمية .