في ربوع الحجاز :
قلنا أن السيد توجه إلى الحجاز في سنة 1289 لأداء مناسك الحج وزيارة النبي والأئمة عليه وعليهم الصلاة والسلام بالمدينة المنورة .
كانت سفرته هذه من طريق البصرة في بحر عمان إلى « جدة » ، وسببت العراقيل الموجودة في الطريق أن لا يدرك الموسم فبقي في جدة إلى بعد العاشور ، ثم دخل مكة بعمرة مفردة إلى شهر ربيع الأول ، وحضر خلال إقامته بها دروس السيد أحمد زيني دحلان في الفقه الشافعي والشيخ محمد البُسْيوني مدرس الأدب العربي في العلوم الأدبية والشيخ عبد الرحمن الهندي في التفسير .
وعاشر أيام إقامته بمكة المكرمة الشيخ رحمة اللَّه بن خليل الرحمن الهندي الحنفي صاحب كتاب « إظهار الحق » ، والشريف عون أخي الشريف عبداللَّه ، وغيرهما من الشخصيات المرموقة العلمية والسياسية . واشتهر فضل السيد في الأوساط العلمية هناك وزادت صلاته الودية بالعلماء وأرباب الفضل ، وكان في تلك الأوساط يتستر بالمذهب الشافعي .
وبعد شهرين ارتحل إلى المدينة المنورة ، فدخلها متنكراً ومدح الوالي الأمير خالد بقصيدة أنشدها بين يديه في يوم الجمعة بمحضر جماعة من الشرفاء والعلماء وكانوا يريدون الذهاب إلى صلاة الجمعة ، فلما ختم القصيدة بهذا البيت :
فان تسألوا عن اسمه يا أحبتي * ففي جنة الفردوس بالوصل خالد
وقعت القصيدة موقع الرضا والقبول من نفس خالد وأمر بصلة له ، فبيّن السيد حاله وقصته وقال : إنه لم ينظم القصيدة توقعاً لأخذ الصلة وإنما للتعرف بالوالي ودرك مجلسه السامي .
وبعد أداء صلاة الجمعة اجتمع نفر من طلبة العلوم حوله وسألوه عن أحواله ، فذكر لهم بعض ما جرى عليه وتبين أن الشيخ محمد البُسيوني قد كتب كتاباً إلى بعض علماء المدينة يحثه على تكريم السيد ، فتوطدت الصلات بينه وبينهم وأنزلوه منزلة كريمة .
حضر أيام إقامته بالمدينة على شيخ الشافعية في الفقه الشافعي ، والشيخ الحافظ عبد الغني الهندي في صحيحي البخاري ومسلم وموطأ مالك ، والأفندي عبد الجليل برّادة في الأدب العربي .
هذا ما عدا روابطه الخاصة بوجوه العلماء والأدباء وذوي الفضل والمعرفة .
وبعد إقامة ستة أشهر في المدينة المنورة عاد إلى مكة وبقي بها إلى موسم الحج حيث أدى المناسك ويمّم صوب العراق بعد يوم الغدير الأغر .