احتجّ الشافعيّة بأنّ الجملة نكرة في سياق النفي ، وهي للعموم فتعمّ لما مرّ ، ولأنّ المساواة المنفيّة إمّا أن تحمل على مطلق المساواة ، أو على مساواة مخصوصة ، والثاني باطل ؛ إذ ليس في اللفظ إشعار بتلك الخصوصيّة ، فتعيّن الأوّل ، وذلك يقتضي العموم ؛ لأنّ المطلق لا ينتفي إلّابانتفاء جميع جزئيّاته .
احتجّ النافون بأنّ نفي المساواة قابل للتقسيم إلى نفيها من كلّ وجه ، ونفيها من وجه ، والعامّ لا يدلّ على الخاصّ .
قيل :
مسلّم عدم دلالته على الخاصّ من هذه الجهة ، لكنّه لم لا يدلّ عليه من جهة أُخرى ؟ وهو أنّ الاستواء المنفيّ أعمّ من أن يكون من بعض الجِهات أو من كلّها ، ونفي الأعمّ يستلزم نفي الأخصّ ، فيلزم نفي الاستواء من كلّ الوجوه « 1 » .
والحقّ أن يقال : النفي فرع الإثبات ؛ لكونه رفعه ، فإن كان الاستواء في جانب الإثبات عامّاً - بمعنى أنّه إذا صدق على شيئين أنّهما متساويان - اقتضى تساويهما من كلّ وجه كان نفيه نفياً للعموم ، فلا يعمّ ؛ لأنّ نقيض الكلّي جزئي . وإن لم يكن عامّاً - بمعنى أنّه يكفي في صدق التساوي على الشيئين تساويهما في بعض الوجوه - كان سلبه عامّاً ؛ لأنّ نقيض الجزئي كلّي .
وقد قال الفريق الثاني : إنّ الاستواء للعموم ، وإلّا لكفى في صدق المساواة على الشيئين تساويهما من وجه ما ، فتصدق على كلّ مفهومين حتّى النقيضين التساوي ؛ لأنّ كلّ مفهومين متساويان في كونهما مفهومين ، وفي سلب ما عداهما عنهما .
ويلزم من ذلك كذب سلب المساواة عن أيّ مفهومين فرضا ، والتالي باطل ؛ للآية المذكورة « 2 » ونظائرها ، كقوله تعالى :
« لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ »
« 3 » ، وقال :
« لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ »
« 4 » ،
« قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ »
« 5 » .
هامش
( 1 ) . راجع شرح مختصر المنتهى ، ج 2 ، ص 114 .
( 2 ) . الحشر ( 59 ) : 20 .
( 3 ) . الحديد ( 57 ) : 10 .
( 4 ) . النساء ( 4 ) : 95 .
( 5 ) . المائدة ( 5 ) : 100 .