ودعوى أنّ الأمر بالحذر عن المخالفة يبطلها عدم تعيّن المأمور بالحذر ، وليس هم الذين يتسلّلون ؛ لأنّهم المخالفون عن أمره ، فلا يؤمرون بالحذر عن أنفسهم ، مع أنّ ضمير « الحذر » مفرد ، ولو عاد إلى « الذين » لكان جمعاً ، ولو سلّم بقي
« أَنْ تُصِيبَهُمْ »
« 1 » الآية ضائعاً ؛ لأنّ « يحذر » لا يتعدّى إلى مفعولين ، ولا ندّعي وجوب الحذر ، بل جوازه ، وهو كافٍ ؛ إذ جوازه مشروط بوجود ما يقتضي وقوعه ، وإلّا لكان حذراً عمّا لا يوجد ، ولم يوجد المقتضي لوقوعه ، وهو سفه ممتنع .
والأمر المذكور للعموم بإمكان « إلّاالأمر الفلاني » ولأ نّه رتّب العقاب على المخالفة ، والترتّب يشعر بالعلّيّة ، فيتحقّق الحكم في جميع صور الوصف ، ولا قائل بالفرق بين أمر الله تعالى وأمر النبيّ صلى الله عليه وآله .
الرابع : تارك المأمور به عاصٍ ؛ لقوله تعالى :
« أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي »
« 2 » ، و
« لا أَعْصِي لَكَ أَمْراً »
« 3 » ، والمراد به ترك المأمور به .
وقال الحماسي :
أطعتِ الآمريكِ بصرم حبلي * مُريهم في أحبّتهم بذاكِ
فإن هم طاوعوك فطاوعيهم * وإن عاصوك فاعصي من عصاك « 4 »
والعاصي مستحقّ للعقاب ؛ لقوله تعالى :
« وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ »
« 5 » الآية .
أُورد بمنع الصغرى ؛ لأنّه لو كان العصيان عبارة عن ترك المأمور به لكان قوله تعالى :
« وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ »
« 6 » عقيب قوله تعالى :
« لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ »
7 تكراراً ؛ لأنّ عدم العصيان دليل على فعل ما أُمروا به ، ولأنّ المستحبّ قد يكون مأموراً به ، وتركه غير عصيان ، وبمنع كلّيّة الكبرى بقرينة الخلود المختصّ بالكفّار .
هامش
( 1 ) . النور ( 24 ) : 63 .
( 2 ) . طه ( 20 ) : 93 .
( 3 ) . الكهف ( 18 ) : 69 .
( 4 ) . ديوان الحماسة ، ص 428 - 429 ، الرقم 574 ؛ الأغاني ، ج 17 ، ص 106 .
( 5 ) . الجنّ ( 72 ) : 23 .
( 6 ) و 7 . التحريم ( 66 ) : 6 .