[ البحث الثاني في حدّ الأمر ]
قال :
البحث الثاني في حدّه . وهو طلب الفعل بالقول على جهة الاستعلاء ، وهذا الطلب معلوم لكلّ عاقل ، وهو غير الصيغة ؛ لعدم اختلافه باختلاف اللغات ، ولوجودها من الساهي والغافل والنائم مع انتفائه .
وهل هو الإرادة أو غيرها ؟ الحقّ الأوّل ، فإنّا لا نعلم الزائد على الإرادة ، ولا يجوز وضع اللفظ الظاهر لمعنى غير معقول .
والأشاعرة أثبتوا الطلب مغايراً للإرادة ؛ لأنّ الله تعالى أمر الكافر بالطاعة ، ولم يردها منه ؛ لأنّه عالم بعدم إيقاعها منه ، فيكون تكليفه بها تكليفاً بالمحال ، ولصحّة « أُريد منك الفعل ولا آمرك به » ، ولأمر السيّد عبده بفعل لا يريد إيقاعه منه ؛ طلباً لإظهار عذره .
والجواب : المنع من عدم إرادة الطاعة من الكافر ، والعلم لا يؤثّر في المعلوم ، وتمام الاستقصاء في هذه المسألة مذكور في كتبنا الكلاميّة ، ونفي الأمر معناه نفي الإلزام وإن كان مريداً لإيقاع الفعل اختياراً ، والطلب والإرادة متساويان في أمر طالب العذر .
والجواب واحد : وهو أنّه وجد منه صورة الأمر وإن لم يرده ولا يطلبه .
[ تهذيب الوصول ، ص 93 - 94 ]
أقول : لمّا كان الأمر حقيقةً في القول عنده عرّفه بما ذكر ، فقوله « طلب » يشمل طلب الترك ، وهو النهي ، ويخرج الإخبار والتهديد . وإضافته إلى الفعل يخرج النهي ، والمراد بالفعل ها هنا ما يعمّ القول ؛ ليعمّ الأمر بالأمر والنهي والخبر وغيرها .
وب « القول » يخرج الطلب بالإشارة ، وبفعل النبيّ عليه السلام ونحوها ؛ إذ الأمر نوع من الكلام ، وتلك ليست كلاماً ، فلا يسمّى أمراً ، وبالاستعلاء يخرج الدعاء والالتماس ،