لنا : تسمية الرجل الشجاع بالأسد ، والبليد بالحمار ، وقولهم : « ظهر الطريق » ، و « فلان على جناح السفر » ، و « شابت لمّة الليل » ، و « قامت الحرب على ساق » ، و « كبد السماء » ، وغير ذلك ممّا هو كثير جدّاً حتّى لا يكاد يخلو من المجاز شعر أو رسالة .
قال ابن جنّي : أكثر اللغات مجازات « 1 » ، وهذه الكلمات حقائق في غير هذه المعاني ، فلو كانت حقيقةً في هذه أيضاً لزم الاشتراك ، وهو باطل ، وإلّا لما سبق لهم أحد هذه المعاني عند إطلاق لفظه مجرّداً عن قرينة ، ولأنّ المجاز أولى من الاشتراك .
احتجّ [ الإسفراييني ] بأنّ المجاز مخلّ بالفهم ؛ لتردّد السامع على تقديره بين فهم المعنى الحقيقي والمجازي ، وهو منافٍ للغرض من وضع اللفظ ومن إطلاقه ، ولأنّ اللفظ إمّا أن يفيد المعنى المجازي مع القرينة أو بدونها ، أو لا يفيد شيئاً ، والأوّل يستلزم كونه حقيقةً فيه ؛ لعدم احتمال غيره ، وكذا الثاني ؛ لأنّه من خواصّ الحقيقة ، ويلزم من الثالث كون اللفظ خالياً من الحقيقة والمجاز .
والجواب : الإخلال بالفهم إنّما يكون مع تجرّده عن القرينة ويكون الغرض المجاز إمّا على تقدير القرينة ، أو أنّ الغرض المعنى الحقيقي فلا ، ونختار في الثاني أنّه يفيد المجاز مع القرينة ، وهذا هو معنى المجاز كما تقدّم ، فكيف يكون حقيقةً ؟ !
الثانية : وقع المجاز في القرآن ، خلافاً للظاهريّة « 2 » .
لنا : الآيات المذكورة ، وقوله :
« فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ »
« 3 » ،
« تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ »
« 4 » ،
« وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً »
« 5 » ،
« وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ »
« 6 » ،
« الْحَجُّ
هامش
( 1 ) . حكاه عنه الرازي في المحصول ، ج 1 ، ص 337 ؛ والعلامة في نهاية الوصول إلى علم الأصول ، ج 1 ، ص 281 .
( 2 ) . حكاه عنهم الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام ، ج 1 ، ص 42 ؛ والعلامة في نهاية الوصول إلى علم الأصول ، ج 1 ، ص 266 .
( 3 ) و 4 . البقرة ( 2 ) : 115 ، 25 .
( 4 )
( 5 ) . مريم ( 19 ) : 4 .
( 6 ) . الإسراء ( 17 ) : 24 .