لاستحالة الجمع بين المثلين ، ولأنّ المكلّف لا يميّز أحدهما عن الآخر ، فأمره بأحدهما ونهيه عن الآخر في وقت تكليف بالمحال « 1 » ، ولفظ المأمور به كالصلاة مثلًا ظاهر في نفس الصلاة ، فاستعماله في الاعتقاد أو العزم خلاف الظاهر بلا قرينة ، وقد تقدّم بيان امتناعه .
سلّمنا ، لكنّه خروج عن المتنازع فيه ؛ لأنّ متعلّق الأمر إذن مغاير لمتعلّق النهي ، والنزاع فيما إذا اتّحدا .
قالوا : وقع ؛ لأنّ إبراهيم فداه بذبح عظيم ، ولو وقع ما أُمر به لم يفد ، وهو دليل النسخ ؛ لاستحالة إخلاله عليه السلام بالواجب ، ولأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله لمّا رفع إليه عوف بن مالك الأشجعي أنّ خالد بن الوليد منع سلباً للقاتل أمر خالداً بردّه ، فقال له بعد القصّة :
« لا تردّه هل أنتم تاركون لي أُمرائي ؟ لكم صفوة أمرهم ، وعليهم كَدَرُه » « 2 » . ويحسن قول السيّد لعبده : « خط الثوب بشرط ألّاأنهاك عن خياطته » ، فكذا من الشارع ، ولجواز رجوع المصلحة والمفسدة إلى الأمر والنهي وإن كان الفعل مصلحةً في وقتهما .
والجواب : أُمر بالمقدّمات كالاجتماع وأخذ المدية ، وهو مع حصول الظنّ الغالب بالأمر بالذبح بلاء مبين ، ويؤيّده قوله تعالى :
« قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا »
« 3 » .
ولو فعل بعض ما أُمر به لقال : قد صدّقت بعض الرؤيا . والفداء عمّا حصل في ظنّه من أمره بالذبح .
سلّمنا ، لكن روي « أنّه ذبح فوصل الله تعالى ما كان يقطعه » « 4 » .
لا يقال : وكان لا يحتاج إلى الفداء .
قلنا : نمنعه ؛ لأنّ الفداء ليس عن نفس الذبح بل عن إزهاق الروح وإبطال الحياة المترتّب عليه ، والخبر من باب الآحاد ؛ ولعلّه عليه السلام عوّض القاتل عنه برضاه
هامش
( 1 ) . راجع نهاية الوصول إلى علم الأُصول ، ج 3 ، ص 30 .
( 2 ) . مسند أحمد ، ج 7 ، ص 43 - 44 ، ح 23477 ؛ سنن أبي داود ، ج 3 ، ص 71 - 72 ، ح 2719 .
( 3 ) . الصافّات ( 37 ) : 105 .
( 4 ) . المحصول ، ج 3 ، ص 314 و 317 ؛ الإحكام في أُصول الأحكام للآمدي ، ج 3 ، ص 116 ؛ نهاية الوصول إلى علم الأُصول ، ج 3 ، ص 36 .