أقول : مذهب مجوّزي النسخ جوازه قبل التمكّن من فعله وحضور وقته ، فعل أو لا ؛ لجواز كونه مفسدةً في وقت ومصلحةً في آخر ، والمطيع والعاصي متساويان في تناول الخطاب بالناسخ والمنسوخ لهما ، فاسقاً كان العاصي أو كافراً ، والنسخ متحقّق في حقّهما وإن لم يفعلا ، أمّا قبل حضور وقته ، كصلاة عند غروب الشمس ، ثمّ قال عند الزوال : لا تصلّوا شيئاً ، فمنع منه أصحابنا « 1 » وجمهور المعتزلة « 2 » وأبو بكر الصيرفي من الشافعيّة « 3 » وبعض الحنابلة « 4 » وجوّزه الأشاعرة وأكثر الشافعيّة .
لنا : لو جاز لزم البداء - أي ظهور الشيء بعد خفائه على الله تعالى - لأنّ شروطه التي يتحقّق معها أربعة : اتّحاد الفعل ووقته ووجهه والمكلّف ، وهي متحقّقة هنا .
ويشكل بأنّ المراد باتّحاد الفعل إن كان اتّحاده مع اتّحاد مشخّصاته استغنى عن ذكر اتّحاد الوقت ، وإلّا احتاج إلى ذكر المكان ؛ لاختلاف الفعل باختلافه ، ولأنّ الفعل إن كان مصلحةً لم ينه عنه ؛ لثبوتها ، ولأ نّها علّة طلبه ، وهي ثابتة فيستمرّ الطلب وإلّا لم يؤمر به ؛ ولذا لو خلا عنهما لاستحالة إيجاب ما لا وجه لمقتضي وجوبه اعترض بمنع اتّحاد المتعلّق ؛ لجواز أن يكون متعلّق النهي مثل متعلّق الأمر لا نفسه ، أو أنّ متعلّق الأمر اعتقاد وجوب الفعل أو العزم عليه ، ومتعلّق النهي نفس الفعل .
وأُجيب بأنّ حكم المثلين يجب اتّحاده عند اتّحاد باقي الأربعة فيمتنع مصلحة أحدهما ومفسدة الآخر ، فيكون الأمر الأوّل متناولًا لهما على البدل لا الجمع ؛
هامش
( 1 ) . منهم السيّد المرتضى في الذريعة إلى أُصول الشريعة ، ج 1 ، ص 441 ؛ والشيخ في العدّة في أُصول الفقه ، ج 2 ، ص 519 .
( 2 ) . حكاه عنهم الآمدي في الإحكام في أُصول الأحكام ، ج 3 ، ص 115 .
( 3 ) . حكاه عنه الشيرازي في شرح اللمع ، ج 1 ، ص 485 ؛ والآمدي في الإحكام في أُصول الأحكام ، ج 3 ، ص 115 ، والعضدي في شرح مختصر المنتهى ، ج 2 ، ص 190 .
( 4 ) . نقله عنه الآمدي في الإحكام في أُصول الأحكام ، ج 3 ، ص 115 ؛ والسبكي في الإبهاج في شرح المنهاج ، ج 2 ، ص 256 .