[ البحث الخامس في جواز نسخ الشيء قبل فعله ]
قال :
البحث الخامس : يجوز نسخ الشيء قبل فعله إجماعاً ، فإنّ العاصي والكافر مخاطبان بالناسخ والمنسوخ .
وهل يجوز نسخه قبل حضور وقته ؟ المعتزلة على المنع ، خلافاً للأشعريّة .
لنا : لو جاز ذلك لزم البداء ؛ إذ شروط البداء أربعة ، وهي اتّحاد الفعل والوجه والوقت والمكلّف ، وهي ثابتة هنا ، ولأنّ الفعل بالنسبة إلى ذلك الوقت إن كان حسناً استحال النهي عنه ، أو قبيحاً فيستحيل الأمر به .
لا يقال : نمنع اتّحاد المتعلّق ؛ لتناول النهي مثل تناول الأمر ، أو لتناول الأمر بالاعتقاد والنهي بالفعل .
لأ نّا نقول : المتماثلان يستحيل كون أحدهما مصلحة في وقت ، والآخر مفسدة فيه .
والأمر الأوّل يتناولهما وكذا النهي ، ولامتناع التمييز بينهما ، فيستحيل الأمر بأحدهما والنهي عن الآخر ، وأمّا تناول الأمر الاعتقاد فليس كذلك ؛ لأنّ لفظ الأمر يتناول الفعل ، ولو سلّم فلا نزاع ؛ لتغاير متعلّق الأمر والنهي .
احتجّوا بأنّ إبراهيم عليه السلام أُمر بالذبح ولم يفعل للفداء ، ولأنّ السيّد قد يأمر عبده بفعل بشرط ألّاينهاه ، ولاحتمال كون الفعل والأمر مصلحةً قبل النسخ ثمّ تتغيّر مصلحة الأمر خاصّةً .
والجواب : المنع من أمر إبراهيم عليه السلام بالذبح ؛ لقوله تعالى :
« قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا »
.
نعم ، إنّه أُمر بمقدّماته ، وهي مع ظنّ الأمر به بلاء عظيم ، والفداء عن ظنّه أنّه يؤمر بالذبح .
سلّمنا لكن قد ورد أنّه ذبح لكنّ الله تعالى يوصل ما يقطعه ، والسيّد إنّما يحسن منه ، لجواز البداء عليه بخلافه تعالى ، وحسن الأمر تابع لحسن الفعل .
[ تهذيب الوصول ، ص 188 - 189 ]