تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كشف المراد في شرح تجريد الإعتقاد ( قسم الإلهيات ) — صفحة 299

مساهمون:

ص٢٩٩
هي دار الثواب ، فدلّ على أنّها مخلوقة الآن في السماء . احتجّ أبو هاشم بقوله تعالى :
« كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ »
« 1 » ، فلو كانت الجنّة مخلوقة الآن لوجب هلاكها ، والتالي باطل لقوله تعالى :
« أُكُلُها دائِمٌ »
« 2 »
.
والجواب : دوام الأكل إشارة إلى دوام المأكول بالنوع بمعنى دوام خلق مثله وأكل الجنّة يفنى بالأكل إلّا أنّه تعالى يخلق مثله ، والهلاك هو الخروج عن الانتفاع ولا ريب أنّ مع فناء المكلفين يخرج الجنّة عن حد الانتفاع فتبقى هالكة بهذا المعنى « 3 » .
هامش
( 1 ) . القصص : 88 . ( 2 ) . الرعد : 35 . ( 3 ) . أجاب عن الاستدلال بوجهين : 1 - أنّ المراد من دوام الأكل هو دوامها بالنوع ، فالهلاك يرجع إلى أشخاص المأكولات ، والدوام يرجع إلى كلّ نوع منها ، فلا مانع من أن تهلك الأشخاص بأمرين : بالأكل تارة ، ونفخ الصور الأوّل ، الذي فيه فناء كل شيء غير وجهِه وذاتِه ، أُخرى . 2 - أنّ فناء كل شيء بحسبه ، والمراد خروجها عن الانتفاع عند فناء المكلفين . أقول : إنّ الإمعان في الآية يعرب عن أنّ الاستدلال والجواب واقعان في غير محلهما ، وإليك تحليل مفاده : قال سبحانه :« وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ »( القصص : 88 ) . فقوله :« كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ »تعليل للنهي عن اتخاذ إله غيره سبحانه ، والحكم بالهلاك لا يختص بالآخرة ، بل هو كذلك في جميع الأزمنة حتى زمن نزول الآية ، فغيره سبحانه بما أنّه هالك بالفعل لا يليق أن يتخذ إلهاً ، فكلّ شيء بما أنّه منسوب إلى الواجب له حقيقة ، ومع قطع النظر عنه فهو هالك وباطل ، فلو كان له حقيقة فهي ليست إلّا ما أفاض اللَّه عليه ، وقد ألهم بهذه الحقيقة شاعر العصر الجاهلي لبيد حيث قال :ألا كلّ شيء ما سوى اللَّه باطل * وكل نعيم لا محالة زائلوقد أجاب العلّامة الطباطبائي قدس سره عن الاستدلال بوجه آخر وقال : « المراد تبدّل نشأ الوجود ، والرجوع إلى اللَّه المعبّر عنه بالانتقال من الدنيا إلى الآخرة ، والتلبس بالعود بعد البدء ، وهذا إنّما يكون فيما هو موجود بوجود بدئي دنيويّ وأمّا الدار الآخرة وما هو موجود بوجود أخروي كالجنة والنار فلا يتصف شيء من هذا القبيل بالهلاك بهذا المعنى » . ( الميزان : 16 / 95 ) .