السلام : " العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه " وإنما هو عائد في الموهوب ، وكقولنا :
اللهم أنت رجاؤنا ، أي من رجونا ، وقال تعالى : ( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين )
[ الحجر : 99 ] يعني : الموقن به . وقال الشاعر :
أخبر من لاقيت إن قد وفيتم * ولو شئت قال المنبؤون قد أساؤوا
وإني لراجيكم على بطء سعيكم * كما في بطون الحاملات رجاء
يعني مرجوا . وكذلك قوله : ( ثم يعودون لما قالوا ) معناه : لما حرموا ،
فيستبيحونه فلا فعليهم الكفارة قبل الاستباحة . ويبطل قول من اعتبر البقاء على النكاح من
وجهين ، أحدهما : أن الظهار لا يوجب تحريم العقد والإمساك فيكون العود إمساكها على
النكاح ، لأن العود لا محالة قد اقتضى عودا إلى حكم معنى قد تقدم إيجابه ، فلا يجوز أن
يكون للإمساك على النكاح فيه تأثير . والثاني : أنه قال : ( ثم يعودون ) و " ثم " يقتضي
التراخي ، ومن جعل العود البقاء على النكاح فقد جعله عائدا عقيب القول بلا تراخ وذلك
خلاف مقتضى الآية ، وأما من جعل العود العزيمة على الوطء فلا معنى لقوله أيضا ، لأن
موجب القول هو تحريم الوطء لا تحريم العزيمة ، والعزيمة على المحظور وإن كانت
محظورة فإنما تعلق حكمها بالوطء ، فالعزيمة على الانفراد لا حكم لها . وأيضا لاحظ
للعزيمة في سائر الأصول ولا تتعلق بها الأحكام ، ألا ترى أن سائر العقود والتحريم
لا يتعلق بالعزيمة فلا اعتبار بها ؟ وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الله عفا لأمتي عما حدثت به أنفسها
ما لم يتكلموا به أو يعملوا به " .
فإن قيل : هلا كان العود إعادة القول مرتين ، لأن اللفظ يصلح أن يكون عبارة عنه
كما قال الله تعالى : ( ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ) [ الأنعام : 28 ] ومعناه لفعلوا مثل ما
نهوا عنه ! قيل له : هذا خطأ من وجهين ، أحدهما : أن إجماع السلف والخلف جميعا قد
انعقد بأن هذا ليس بمراد ، فقائله خارج عن نطاق الاجماع . والثاني : أنه يجعل قوله :
( ثم يعودون لما قالوا ) تكرارا للقول واللفظ مرتين ، والله تعالى لم يقل ثم يكررون
القول مرتين ، ففيه إثبات معنى لا يقتضيه اللفظ ولا يجوز أن يكون عبارة عنه ، وإن
حملته على أنه عائد لمثل القول ففيه إضمار لمثل ذلك القول وذلك لا يجوز إلا بدلالة ،
فالقائل بذلك خارج عن الاجماع ومخالف لحكم الآية ومقتضاها .
فإن قيل : وأنت إذا حملته على تحريم الوطء وأن تقديم الكفارة لاستباحة الوطء
فقد زلت عن الظاهر . قيل له : إذا كان الظهار قد أوجب تحريم الوطء فالذي يستبيحه منه
هو الذي حرمه بالقول ، فجاز أن يكون ذلك عودا لما قال ، إذ هو مستبيح لذلك الوطء
الذي حرمه بعينه وكان عودا لما قال من إيجاب التحريم . ومن جهة أخرى أن الوطء إذا
أحكام القرآن — صفحة 561
مساهمون: الجصاص
ص٥٦١