يحكم النبي صلى الله عليه وسلم بالطلاق وإنما علق القول فيه فقال : " ما أراك إلا قد حرمت " فلم يقطع
بالتحريم ، وجائز أن يكون الله تعالى قد أعلمه قبل ذلك أنه سينسخ هذا الحكم وينقله من
الطلاق إلى تحريم الظهار الآن ، فجوز النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل الله الآية فلم يثبت الحكم فيه ،
فلما نزلت الآية حكم فيها بموجبها .
وقوله تعالى : ( وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا ) ، يعني والله أعلم في
تشبيهها بظهر الأم ، لأن الاستمتاع بالأم محرم تحريما مؤبدا ، وهي لا تحرم عليه بهذا
القول تحريما مؤبدا ، فكان ذلك منكرا من القول وزورا .
وقوله تعالى : ( الذين يظاهرون منكم من نسائهم ) ، وذلك خطاب للمؤمنين يدل
على أن الظهار مخصوص به المؤمنون دون أهل الذمة . فإن قيل : فقد قال الله : ( والذين
يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا ) ولم يخصص المذكورين في الثانية . قيل له
المذكورون في الآية الثانية هم المذكورون في الآية الأولى ، فوجب أن يكون خاصا في
المسلمين دون غيرهم .
وأما قوله : ( ثم يعودون لما قالوا ) فقد اختلف الناس فيه ، فروى معمر عن طاوس
عن أبيه : ( ثم يعودون لما قالوا ) قال : " الوطء ، فإذا حنث فعليه الكفارة " . وهذا تأويل
مخالف للآية ، لأنه قال : ( فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ) . وقد روى سفيان عن ابن
أبي نجيح عن طاوس قال : " إذا تكلم بالظهار لزمه " . وروي عن ابن عباس : " أنه إذا قال
أنت علي كظهر أمي لم تحل له حتى يكفر " . وروي عن ابن شهاب وقتادة : " إذا أراد
جماعها لم يقربها حتى يكفر " .
وقد اختلف فقهاء الأمصار في معنى العود ، فقال أصحابنا والليث بن سعد :
" الظهار يوجب تحريما لا يرفعه إلا الكفارة " ومعنى العود عندهم استباحة وطئها فلا يفعله
إلا بكفارة يقدمها . وذكر بشر بن الوليد عن أبي يوسف : " لو وطئها ثم ماتت لم يكن عليه
كفارة " . وقال الثوري : " إذا ظاهره منها لم تحل له إلا بعد الكفارة ، وإن طلقها ثم تزوجها
لم يطأها حتى يكفر " ، وهذا موافق لقول أصحابنا . وقال ابن وهب عن مالك : " إذا أجمع
بعد الظهار على إمساكها وإصابتها فقد وجبت عليه الكفارة ، فإن طلقها بعد الظهار ولم
يجمع على إمساكها وإصابتها فلا كفارة عليه ، وإن تزوجها بعد ذلك لم يمسها حتى يكفر
كفارة الظهار " . وذكر ابن القاسم عنه أنه إذا ظاهر منه ثم وطئها ثم ماتت فلا بد من
الكفارة لأنه وطئ بعد الظهار . وقال أشهب عن مالك : " إذا أجمع بعد الظهار على
إمساكها وإصابتها وطلب الكفارة فماتت امرأته فعليه الكفارة " . وقال الحسن : " إذا أجمع
رأي المظاهر على أن يجامع امرأته فقد لزمته الكفارة وإن أراد تركها بعد ذلك ، لأن العود
أحكام القرآن — صفحة 559
مساهمون: الجصاص
ص٥٥٩