في الحديث الذي قدمنا غيبة ، لأن ذلك كان من النبي صلى الله عليه وسلم على وجه التعريف لا على جهة
العيب ، وهو كما روي عنه أنه قال : " لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما عراض الوجوه
صغار العيون فطس الأنوف كأن وجوههم المجان المطرقة " ، فلم يكن ذلك غيبة وإنما كان
تعريفا لهم صفة القوم .
قوله تعالى : ( إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ) . روي
عن مجاهد وقتادة : " الشعوب النسب الأبعد ، والقبائل الأقرب ، فيقال بني فلان وفلان " .
وقوله تعالى : ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) . بدأ بذكر الخلق من ذكر وأنثى وهما
آدم وحواء ، ثم جعلهم شعوبا يعني متشعبين متفرقين في الأنساب كالأمم المتفرقة نحو
العرب وفارس والروم والهند ونحوهم ، ثم جعلهم قبائل وهم أخص من الشعوب نحو
قبائل العرب وبيوتات العجم ، ليتعارفوا بالنسبة ، كما خالف بين خلقهم وصورهم ليعرف
بعضهم بعضا . ودل بذلك على أنه لا فضل لبعضهم على بعض من جهة النسب ، إذ كانوا
جميعا من أب وأم واحدة ، ولأن الفضل لا يستحق بعمل غيره ، فبين الله تعالى ذلك لنا
لئلا يفخر هذه بعضنا على بعض بالنسب ، وأكد ذلك بقوله تعالى : ( إن أكرمكم عند الله
أتقاكم ) ، فأبان أن الفضيلة والرفعة إنما تستحق بتقوى الله وطاعته . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم
في خطبته أنه قال : " إن الله قد أذهب نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء ، الناس من آدم وآدم
من تراب ، أكرمكم عند الله أتقاكم ، لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى " . وقال ابن
عباس وعطاء : " إن أكرمكم عند الله أتقاكم لا أعظمكم بيتا " . آخر سورة الحجرات
أحكام القرآن — صفحة 543
مساهمون: الجصاص
ص٥٤٣