125 ] وترقب وقت الاستماع والقبول من الدعاء إلى سبيل الله بالحكمة ، وإنما حكى الله
ذلك لنا لنقتدي به فيه .
قوله تعالى : ( وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر
ربه ) . الظن ههنا بمعنى اليقين ، لأنه علم يقينا وقوع ما عبر عليه الرؤيا ، وهو كقوله
تعالى : ( إني ظننت أني ملاق حسابيه ) [ الحاقه : 20 ] ومعناه : أيقنت . وقوله : ( فأنساه
الشيطان ) هذه " الهاء " تعود على يوسف على ما روي عن ابن عباس ، وقال الحسن وابن
إسحاق : " على الساقي " . وفيه بيان أن لبثه في السجن بضع سنين إنما كان لأنه سأل الذي
نجا منهما أن يذكره عند الملك ، وكان ذلك منه على جهة الغفلة ، فإن كان التأويل على
ما قال ابن عباس أن الشيطان أنسى يوسف عليه السلام ذكر ربه - يعني ذكر الله تعالى -
وأن الأولى كان في تلك الحال أن يذكر الله ولا يشتغل بمسألة الناجي منهما أن يذكره عند
صاحبه ، فصار اشتغاله عن الله تعالى في ذلك الوقت سببا لبقائه في السجن بضع سنين .
وإن كان التأويل أن الشيطان أنسى الساقي ، فلأن يوسف لما سأل الساقي ذلك لم يكن من
الله توفيق للساقي وخلاه ووساوس الشيطان وخواطره حتى أنساه ذكر ربه أمر يوسف .
وأما البضع فقال ابن عباس : " هو من الثلاث إلى العشر " ، وقال مجاهد وقتادة : " إلى
التسع " ، وقال وهب : " لبث سبع سنين " .
قوله تعالى : ( قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين ) ، فإنا قد
علمنا أن الرؤيا كانت صحيحة ولم تكن أضغاث أحلام ، لأن يوسف عليه السلام عبرها
على سني الخصب والجدب ، وهو يبطل قول من يقول إن الرؤيا على أول ما تعبر لأن
القوم قالوا هي أضغاث أحلام ولم تقع كذلك ، ويدل على فساد الرواية بأن الرؤيا على
رجل طائر فإذا عبرت وقعت .
قوله تعالى : ( وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك )
الآية . يقال إن يوسف عليه السلام إنما لم يجبهم إلى الذهاب إلى الملك حتى رد الرسول
إليه بأن يسأل عن النسوة اللاتي قطعن أيديهن لتظهر براءة ساحته ، فيكون أجل في صدره
عند حضوره وأقرب إلى قبول ما يدعوه إليه من التوحيد وقبول ما يشير به عليه .
قوله تعالى : ( ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ) . قال : الحسن ومجاهد وقتادة
والضحاك : هذا من قول يوسف ، يقول : إني إنما رددت الرسول إليه في سؤال النسوة
ليعلم العزيز أني لم أخنه بالغيب . وإن كان ابتداء الحكاية عن المرأة فإنه رد الكلام إلى
الحكاية عن قول يوسف لظهور الدلالة على المعنى ، وذلك نحو قوله : ( وكذلك
يفعلون ) [ النمل : 34 ] وقبله حكاية عن المرأة : ( وجعلوا أعزة أهلها أذلة ) [ النمل :
أحكام القرآن — صفحة 224
مساهمون: الجصاص
ص٢٢٤