قميصه . وقد روي عن شريح وإياس بن معاوية أشياء نحو هذا ، روى ابن أبي نجيح عن
مجاهد قال : " اختصم إلى شريح امرأتان في ولد هرة ، فقالت إحداهما : هذه ولد هرتي ،
وقالت الأخرى : هذه ولد هرتي ، فقال : ألقوها مع هذه فإن درت وقرت واسبطرت فهي
لها ، وإن هرت وفرت وازبأرت فليس لها " . وروى حماد بن سلمة قال : أخبرني مخبر
عن إياس بن معاوية : " أن امرأتين ادعتا كبة غزل ، فخلا بإحداهما وقال : علام كببت
غزلك ؟ فقالت : على جوزة ، وخلا بالأخرى فقالت : على كسرة خبز ، فنقضوا الغزل
فدفعوه إلى التي أصابت " . وهذا الذي كان يفعله شريح وإياس من نحن هذا لم يكن على
وجه إمضاء الحكم به وإلزام الخصم إياه ، وإنما كان على جهة الاستدلال بما يغلب في
الظن منه فيقرر بعد ذلك المبطل منهما ، وقد يستحي الانسان إذا ظهر مثل هذا من الإقامة
على الدعوى فيقر بحكم عليه بالإقرار .
قوله تعالى : ( قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا ) . قيل : فيه إضمار عصير العنب
للخمر ، وذلك لأن الخمر المائعة لا يتأتى فيها العصر . وقيل : معناه أعصر ما يؤول إلى
الخمر ، فسماه باسم الخمر وإن لم يكن خمرا على وجه المجاز . وجائز أن يعصر من
العنب خمرا بأن يطرح العنب في الخابية ويترك حتى ينش ويغلي فيكون ما في العنب
خمرا فيكون العصر للخمر على وجه الحقيقة . وقال الضحاك : في لغة تسمى العنب
خمرا .
قوله تعالى : ( نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين ) . قال قتادة : " كان يداوي
مريضهم ويعزي حزينهم ويجتهد في عبادة ربه " . وقيل : " كان يعين المظلوم وينصر
الضعيف ويعود المريض " . وقيل : " من المحسنين في عبارة الرؤيا لأنه كان يعبر
لغيرهما " .
قوله تعالى : ( قال يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله ) الآية . قال : ابن
جريج : " عدل عن تأويل الرؤيا إلى الإخبار بهذا لما رأى على أحدهما فيه من المكروه ،
فلم يدعاه حتى أخبرهما به " . وقيل : " إنما قدم هذا ليعلما ما خصه الله تعالى من النبوة
وليقبلا إلى طاعة الله " . وقد كان يوسف عليه السلام فيما بينهم قبل ذلك زمانا فلم يحك
الله عنه أنه ذكر لهم شيئا من الدعاء إلى الله وكانوا قوما يعبدون الأوثان ، وذلك لأنه لم
يطمع منهم في الاستماع والقبول ، فلما رآهم مقبلين إليه عارفين بإحسانه أمل منهم
القبول والاستماع فقال : ( يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار )
الآية ، وهو من قوله تعالى : ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ) [ النمل :
أحكام القرآن — صفحة 223
مساهمون: الجصاص
ص٢٢٣