في يده ملتقطا لا يخرج المدعي من أن يكون مدعيا فلا يصدق على دعواه إلا ببينة ، إذ
ليست له يد والعلامة ليست ببينة ، لأن رجلا لو ادعى مالا في يد رجل وأعطى علامته
والذي في يده غير ملتقط لم يكن ذكر العلامة بينة يستحق بها شيئا . وأما قول أصحابنا في
الرجلين يدعيان لقيطا كل واحد يدعي أنه ابنه ووصف أحدهما علامة في جسده ، فإنما
جعلوه أولى استحسانا ، من قبل أن مدعي اللقيط يستحقه بدعواه من غير علامة ويثبت
النسب منه بقوله وتزول يد من هو في يده ، فلما تنازعه اثنان صار كأنه في أيديهما لأنهما
قد استحقا أن يقضى بالنسب لهما لو لم يصف أحدهما علامة في جسده ، فلما زالت يد
من هو في يده صار بمنزلته لكان في أيديهما من طريق الحكم جميعه في يد هذا
وجميعه في يد هذا ، فيجوز حينئذ اعتبار العلامة . ونظيره الزوجان إذا اختلفا في متاع
البيت ، لما كان لكل واحد يد في الجميع اعتبر أظهرهما تصرفا وآكدهما يدا ، وكذلك
المستأجر له يد في الدار والمؤاجر أيضا له يد في جميع الدار ، فلما استويا في اليد في
الجميع كان الذي تشهد له العلامة الموافقة لصحة دعواه أولى ، وكان ذلك ترجيحا لحكم
يده لا أنه يستحق به الحكم له بالملك كما يستحق بالبينات . فهذه المواضع التي اعتبروا
فيها العلامة إنما اعتبروها مع ثبوت اليد لكل واحد من المدعيين في الجميع ، فصارت
العلامة من حجة اليد دون استحقاق الملك بالعلامة . وأما المدعيان إذا كان في أيديهما
شئ من المتاع وأحدهما ممن يعالج مثله وهو من آلته التي يستعملها في صناعته ، فإنه
معلوم أن في يد كل واحد منهما النصف وأن ما في يد هذا ليس في يد الآخر منه شيء ،
فلو حكمنا لأحدهما بظاهر صناعته أو بعلامة معه لكنا قد استحققنا عليه يدا هي له دونه ،
فهما فيه بمنزلة رجل إسكاف ادعى قالب خف في يد صيرفي فلا يستحق يد الصيرفي
لأجل أن ذلك من صناعته ، ومسألة اللقطة هي هذه بعينها ، لأن المدعي لا يد له وإنما
يريد استحقاق يد الملتقط بالعلامة ، ومعلوم أنه لا يستحقها بالدعوى إذا لم تكن معه
علامة ، فكذلك العلامة لا يجوز أن يستحق بها يد الغير . وأما ما روي في حديث زيد بن
خالد أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن اللقطة فقال : " اعرف عقاصها ووعاءها ووكاءها ثم
ثم عرفها سنة فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها " ، فإنه لا دلالة فيه على أن مدعيها يستحقها
بالعلامة ، لأنه يحتمل أن يكون إنما أمره بمعرفة العقاص والوعاء والوكاء لئلا يختلط
بماله وليعلم أنها لقطة ، وقد يكون يستدل به على صدق المدعي فيسعه دفعها إليه وإن لم
يلزم في الحكم ، وقد يكون لذكر العلامة ولما يظهر من الحال تأثير في القلب يغلب في
الظن صدقه ولكنه لا يعمل عليه في الحكم .
وقد استدل يعقوب عليه السلام على كذب إخوة يوسف بأنه لو أكله الذئب لخرق
أحكام القرآن — صفحة 222
مساهمون: الجصاص
ص٢٢٢