الموضع وإنما المراد بذلك العزيمة والتصميم عليه ، قال تعالى : ( ثم أدبر واستكبر )
[ المدثر : 23 ] لم يرد به الذهاب إلى الموضع ، وإنما أراد التولي عن الحق والإصرار
عليه . وما روي عن الصحابة في الحلف عند المنبر وبين الركن والمقام فإنما كان ذلك
لأنه كان ينفق الحكومة هناك ولا ينكر أن تكون اليمين هناك أغلظ ، ولكنه ليس بواجب
لقوله عليه السلام : " اليمين على المدعي عليه " ولم يخصصها بمكان ، ولكن الحاكم إن
رأى تغليظ اليمين باستحلافه عند المنبر إن كان بالمدينة ، وفي المسجد الحرام إن كان
بمكة ، جاز له ذلك كما أمر الله تعالى باستحلاف هذين الوصيين بعد صلاة العصر ، لأن
كثيرا من الكفار يعظمونه ، ووقت غروب الشمس .
فصل
قد تضمنت هذه الآية الدلالة على جواز شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض ،
وذلك لأنها قد اقتضت جواز شهادتهم على المسلمين وهي على أهل الذمة أجوز ، فقد
دلت الآية على جواز شهادتهم على أهل الذمة في الوصية في السفر ، ولما نسخ منها
جوازها على المسلمين بقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى
فاكتبوه ) [ البقرة : 282 ] إلى قوله : ( واستشهدوا شهيدين من رجالكم ) [ البقرة : 282 ]
نفي بذلك جواز شهادة أهل الذمة عليهم ، ونسخ بذلك قوله : ( أو آخران من غيركم )
وبقي حكم دلالتها في جوازها على أهل الذمة في الوصية في السفر . وإذا كان حكمها
باقيا في جوازها على أهل الذمة في الوصية في السفر اقتضى ذلك جوازها عليهم في سائر
الحقوق ، لان كل من يجيزها على أهل الذمة في الوصية في السفر ومنع جوازها على
المسلمين في ذلك أجازها على أهل الذمة في سائر الحقوق .
فإن قال قائل : فإن ابن أبي ليلى والثوري والأوزاعي يجيزون شهادة أهل الذمة على
وصية المسلم في السفر على ما روي عن أبي موسى وشريح ، ولا يجيزونها على الذمي
في سائر الحقوق . قيل له : قد بينا أنها منسوخة على المسلمين باقية على أهل الذمة في
سائر الحقوق . وقبول شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض وإن اختلفت مللهم قول
أصحابنا وعثمان البتي والثوري ، وقال ابن أبي ليلى والأوزاعي والحسن وصالح والليث :
" تجوز شهادة أهل كل ملة بعضهم على بعض ولا تجوز على ملة غيرها " . وقال مالك
والشافعي : " لا تجوز شهادة أهل الكفر بعضهم على بعض " . وما ذكرنا من دلالة الآية
يقتضي تساوي شهادات أهل الملل بقوله تعالى : ( أو آخران من غيركم ) يعني غير
المؤمنين المبدوء بذكرهم ، ولم تفرق بين الملل . ومن حيث اقتضت جواز شهادة أهل
أحكام القرآن — صفحة 617
مساهمون: الجصاص
ص٦١٧