الملل على وصية المسلم في السفر ، وهي دالة أيضا على جواز شهادتهم على الكفار في
ذلك مع اختلاف مللهم .
ومما يوجب جواز شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض من جهة السنة ، ما روى
مالك عن نافع عن ابن عمر : " أن اليهود جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا أن رجلا وامرأة
منهم زنيا ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم برجمهما " . وروى الأعمش عن عبد الله بن مرة عن البراء بن
عازب قال : مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودي محمم ، فقال : " ما شأن هذا ؟ " فقالوا : زنى ،
فرجمه رسول الله صلى الله عليه وسلم . وروى جابر عن الشعبي أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه اليهود برجل وامرأة
زنيا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " ائتوني بأربعة منكم يشهدون ! " فشهد أربعة منهم ، فرجمهما
النبي صلى الله عليه وسلم . وعن الشعبي قال : " يجوز شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض " ، وعن
شريح وعمر بن عبد العزيز والزهري مثله . وقال ابن وهب : خالف مالك معلميه في رد
شهادة النصارى بعضهم على بعض ، وكان ابن شهاب ويحيى بن سعيد وربيعة يجيزونها .
وقال ابن أبي عمران من أصحابنا : سمعت يحيى بن أكثم يقول : جمعت هذا الباب فما
وجدت عن أحد من المتقدمين رد شهادة النصارى بعضهم على بعض إلا من ربيعة ، فإني
وجدت عنه ردها ووجدت عنه إجازتها .
قال أبو بكر : قد ذكرنا حكم الآية على الوجوه التي رويت فيها عن السلف وما
نسخ منها وما هو منها ثابت الحكم ، فلنذكر الآية على سياقها مع بيان حكمها على ما
اقتضاه ترتيبها على السبب الذي نزلت فيه ، فنقول وبالله التوفيق : إن قوله تعالى : ( يا أيها
الذين آمنوا شهادة بينكم ) يعتوره معنيان ، أحدهما : شهادة بينكم شهادة اثنين ذوي عدل
منكم ، فحذف ذكر الشهادة الثانية لعلم المخاطبين بالمراد ، ويحتمل : عليكم شهادة
بينكم ، فهو أمر بإشهاد اثنين ذوي عدل ، كقوله تعالى في الدين : ( واستشهدوا شهيدين
من رجالكم ) [ البقرة : 282 ] فأفاد الأمر بإشهاد شاهدين عدلين من المسلمين أو آخرين
من غير المسلمين على وصية المسلم في السفر . وكان نزولها على السبب الذي تقدم
من ذكره من رواية ابن عباس في قصة تميم الداري وعدي بن بداء ، فذكر بعض السبب في
الآية ثم قال : ( إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت ) فجعل شرط قبول
شهادة الذميين على الوصية أن تكون في حال السفر . وقوله : ( حين الوصية ) قد تضمن
أن يكون الشاهدان هما الوصيين ، لأن الموصى أوصى إلى ذميين ، ثم جاءا فشهدا
بوصية ، فضمن ذلك جواز شهادة الوصيين على وصية الميت . ثم قال : ( فأصابتكم
مصيبة الموت ) يعني قصة الميت الموصى . قال : ( تحبسونهما من بعد الصلاة ) يعني
لما اتهمهما الورثة في حبس شئ من مال الميت وأخذه ، على ما رواه عكرمة في قصة
أحكام القرآن — صفحة 618
مساهمون: الجصاص
ص٦١٨