استحلفا ، ودلت على أن دعواهما شرى شئ من الميت غير مقبولة إلا ببينة وأن القول
قول الورثة إن الميت لم يبع ذلك منهما مع أيمانهم .
قوله تعالى : ( ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها ) يعني والله أعلم : أقرب أن
لا يكتموا ولا يبدلوا ، ( أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم ) يعني : إذا حلفا ما غيرا ولا
كتما ثم عثر على شئ من مال الميت عندهما ، أن تجعل أيمان الورثة أولى من أيمانهم
بديا أنهما ما غيرا ولا كتما ، على ما روى عن ابن عباس في قصة تميم الداري وعدي بن
بداء .
مطلب : في موضع الاستحلاف
وقوله تعالى : ( تحبسونهما من بعد الصلاة ) فإنه روي عن ابن سيرين وقتادة :
استحلفا بعد العصر ، وإنما استحلفا بعد العصر تغليظا لليمين في الوقت المعظم كما قال
تعالى : ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ) [ البقرة : 238 ] قيل : صلاة العصر ،
وقد روي عن أبي موسى أنه استحلف بعد العصر في هذه القصة . وقد روي تغليظ اليمين
بالاستحلاف في البقعة المعظمة . وروى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من حلف عند هذا
المنبر على يمين آثمة فليتبوأ مقعده من النار ولو على سواك أخضر " ، فأخبر أن اليمين
الفاجرة عند المنبر أعظم مأثما ، وكذلك سائر المواضع الموسومة للعبادات ولتعظيم الله
تعالى وذكره فيها تكون المعاصي فيها أعظم إثما ، ألا ترى أن شرب الخمر والزنا في
المسجد الحرام وفي الكعبة أعظم مأثما منه في غيره ؟ وليست اليمين عند المنبر وفي
المسجد في الدعاوي بواجبة ، وإنما ذلك على وجه الترهيب وتخويف العقاب . وحكى
عن الشافعي أنه يستحلف بالمدينة عند المنبر ، واحتج له بعض أصحابه بحديث جابر
الذي ذكرنا ، وبحديث وائل بن حجر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للحضرمي : " لك يمينه " قال : إنه
رجل فاجر لا يبالي ، قال : " ليس لك منه إلا ذلك " فانطلق ليحلف ، فلما أدبر ليحلف
قال : " من حلف على مال ليأكله ظلما لقي الله وهو عنه معرض " وبحديث الأشعث بن
قيس ، وفيه : فانطلق ليحلف . فقالوا : قوله : " من حلف عند هذا المنبر على يمين آثمة "
يدل على أن الأيمان قد كانت تكون عنده . قال أبو بكر : وليس فيه دلالة على أن ذلك
مسنون ، وإنما قال ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يجلس هناك ، فلذلك كان يقع الاستحلاف
عند المنبر ، واليمين عند المنبر أعظم مأثما إذا كانت كاذبة لحرمة الموضع ، فلا دلالة فيه
على أنه ينبغي أن تكون عند المنبر ، والشافعي لا يستحلف في الشئ التافه عند المنبر ،
وقد ذكر في الحديث : " ولو على سواك أخضر " فقد خالف الخبر على أصله . وأما قوله :
" انطلق ليحلف " وأنه لما أدبر قال النبي صلى الله عليه وسلم ما قال ، فإنه لا دلالة فيه على أنه ذهب إلى
أحكام القرآن — صفحة 616
مساهمون: الجصاص
ص٦١٦