وأما قوله تعالى : ( أو كفارة طعام مساكين ) فإنه قرئ : " كفارة " بالإضافة ، وقرئ
بالتنوين بلا إضافة . وقد اختلف في تقدير الطعام ، فقال ابن عباس رواية وإبراهيم وعطاء
ومجاهد ومقسم : " يقوم الصيد دراهم ثم يشترى بالدراهم طعام ، فيطعم كل مسكين
نصف صاع " . وروي عن ابن عباس رواية : " يقوم الهدي ثم يشتري بقيمة الهدي طعاما " ،
وروي مثله عن مجاهد أيضا . والأول قول أصحابنا ، والثاني قول الشافعي ، والأول
أصح ، وذلك لأن جميع ذلك جزاء الصيد ، فلما كان الهدي من حيث كان جزاء معتبرا
بالصيد إما في قيمته أو في نظيره ، وجب أن يكون الطعام مثله ، لأنه قال : ( فجزاء مثل
ما قتل ) إلى قوله : ( أو كفارة طعام مساكين ) فجعل الطعام جزاء وكفارة كالقيمة ،
فاعتباره بقيمة الصيد أولى من اعتباره بالهدي ، إذ هو بدل من الصيد وجزاء عنه لا من
الهدي . وأيضا قد اتفقوا فيما لا نظير له من النعم أن اعتبار الطعام إنما هو بقيمة الصيد ،
فكذلك فيما له نظير ، لأن الآية منتظمة للأمرين ، فلما اتفقوا في أحدهما أن المراد اعتبار
الطعام بقيمة الصيد كان الآخر مثله . وقال أصحابنا : إذا أراد الإطعام اشترى بقيمة الصيد
طعاما فأطعم كل مسكين نصف صاع من بر ولا يجزيه أقل من ذلك ، ككفارة اليمين
وفدية الأذى ، وقد بيناه فيما سلف .
وقوله تعالى : ( أو عدل ذلك صياما ) ، فإنه روي عن ابن عباس وإبراهيم وعطاء
ومجاهد ومقسم وقتادة أنهم قالوا : " لكل نصف صاع يوما " ، وهو قول أصحابنا . وروي
عن عطاء أيضا أنه قال : " لكل مد يوما " . وما ذكره الله تعالى في هذه الآية من الهدي
والإطعام والصيام فهو على التخيير ، لأن " أو " يقتضي ذلك ، كقوله تعالى في كفارة
اليمين : ( فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو
تحرير رقبة ) ، وكقوله تعالى : ( ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ) [ البقرة : 196 ] .
وروي نحو ذلك عن ابن عباس وعطاء والحسن وإبراهيم رواية ، وهو قول أصحابنا .
وروي عن ابن عباس رواية أخرى أنها على الترتيب . وروي عن مجاهد والشعبي والسدي
مثله ، وعن إبراهيم رواية أخرى أنها على الترتيب . والصحيح هو الأول ، لأنه حقيقة
اللفظ ، ومن حمله على الترتيب زاد فيه ما ليس منه ، ولا يجوز إلا بدلالة .
قوله تعالى : ( ومن عاد فينتقم الله منه ) . روي عن ابن عباس والحسن وشريح :
" إن عاد عمدا لم يحكم عليه والله تعالى ينتقم منه " . وقال إبراهيم : " كانوا يسألون هل
أصبت شيئا قبله ؟ فإن قال نعم لم يحكموا عليه ، وإن قال لا حكم عليه " . وقال سعيد بن
جبير وعطاء ومجاهد : " يحكم عليه أبدا " . وسأل عمر قبيصة بن جابر عن صيد أصابه
وهو محرم ، فسأل عمر عبد الرحمن بن عوف ثم حكم عليه ولم يسأله هل أصبت قبله
أحكام القرآن — صفحة 595
مساهمون: الجصاص
ص٥٩٥