وثلاثة وأكثر من ذلك . قيل له : هذا الجزاء ينصرف إلى كل واحد منهم ، ونحن لا نقول
إنه يجب على كل واحد منهم جزاءان وثلاثة وإنما يجب عليه جزاء واحد ، والذي يدل
على أنه منصرف إلى كل واحد قوله تعالى : ( فجزاء مثل ما قتل ) ولم يقل : " قتلوا " فدل
على أنه أراد واحدا ، وقد بينا ذلك في كتاب " شرح المناسك " .
والخصم يحتج علينا بهذه الآية في القارن ، فإنه لا يجب عليه إلا جزاء واحد بظاهر
الكتاب . والجواب عن هذا أنه محرم عندنا بإحرامين على ما سنذكره في موضعه ، وإذا
صح لنا ذلك ثم أدخل النقص عليهما وجب أن يجبرهما بدمين .
قال أبو بكر : ولا خلاف بين الفقهاء أن الهدي لا يجزي إلا بمكة ، وأن بلوغه
الكعبة أن يذبحه هناك في الحرم ، وأنه لو هلك بعد دخوله الحرم قبل أن يذبحه أن عليه
هديا آخر غيره . وقال أصحابنا : إذا ذبحه في الحرم بعد بلوغ الكعبة فإن سرق بعد ذلك
لم يكن عليه شئ لأن الصدقة تعينت فيه بالذبح ، فصار كمن قال لله علي أن أتصدق بهذا
اللحم ، فسرق فلا يلزمه شئ . واتفق الفقهاء أيضا على جواز الصوم في غير مكة ،
واختلفوا في الطعام ، فقال أصحابنا : " يجوز أن يتصدق به حيث شاء " ، وقال الشافعي :
" لا يجزي إلا أن يعطي مساكين مكة " . والدليل على جوازه حيث شاء قوله تعالى : ( أو
كفارة طعام مساكين ) وذلك عموم في سائرهم ، وغير جائز تخصيصه بمكان إلا بدلالة ،
ومن قصره على مساكين مكة فقد خص الآية بغير دليل . وأيضا ليس في الأصول صدقة
مخصوصة بمكان لا يجوز أداؤها في غيره ، فلما كان ذلك صدقة وجب جوازها في سائر
المواضع قياسا على نظائرها من الصدقات ، ولأن تخصيصه بمكان خارج عن الأصول ،
وما خرج عن الأصول وظاهر الكتاب من الأقاويل فهو ساقط مرذول .
فإن قال قائل : فالهدي سبيله الصدقة وهو مخصوص بالحرم . قيل له : ذبحه
مخصوص بالحرم ، فأما الصدقة فحيث شاء ، وكذلك قال أصحابنا أنه لو ذبحه في الحرم
ثم أخرجه فتصدق به في غيره أجزأه . وأيضا لما اتفقوا على جواز الصيام في غير مكة
وهو جزاء للصيد وليس بذبح ، وجب مثله في الطعام لهذه العلة .
باب صيد البحر
قال الله تعالى : ( أحل لكم صيد البحر وطعامه ) . وروي عن ابن عباس وزيد بن
ثابت وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وقتادة والسدي ومجاهد قالوا : " صيده ما صيد
طريا بالشباك ونحوها " . فأما قوله : ( وطعامه ) فقد روي عن أبي بكر وعمر وابن عباس
أحكام القرآن — صفحة 598
مساهمون: الجصاص
ص٥٩٨