الصيد في نفسه من ارتفاع أو انخفاض حتى يوجبا في الرفيع منه الرفيع من النظير وفي
الوسط الوسط وفي الدني الدني ، وذلك يحتاج فيه إلى اجتهاد الحكمين .
وروي عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس وابن عمر ، قالا في محرم قتل قطاة : " فيه
ثلثا مد وثلثا مد خير من قطاة في بطن مسكين " . وروى معمر عن صدقة بن يسار قال :
سألت القاسم وسالما عن حجلة ذبحها وهو محرم ناسيا ، فقال أحدهما لصاحبه : أحجلة
في بطن رجل خير أو ثلثا مد ؟ فقال : بل ثلثا مد ، فقال : هي خير أو نصف مد ؟ قال : بل
نصف مد ، قال : هي خير أو ثلث مد ؟ قال : قلت : أتجزي عني شاة ؟ قالا : أو تفعل
ذلك ؟ قلت : نعم ، قالا : فاذهب . وروي أن عمر وضع رداءه على عود في دار الندوة ،
فأطار حماما فقتله وهو محرم ، فقال لعثمان ونافع بن عبد الحارث : أحكما علي ! فحكما
بعناق بنية عفراء ، فأمر بها عمر . وروى عبد الملك بن عمير عن قبيصة بن جابر : " أن
محرما قتل ظبيا ، فسأل عمر رجلا إلى جنبه ، ثم أمره بذبح شاة وأن يتصدق بلحمها ،
قال قبيصة : فلما قمنا من عنده قلت له : أيها المستفتي ابن الخطاب إن فتيا ابن الخطاب
لم تغن عنك من الله شيئا ، فانحر ناقتك وعظم شعائر الله ! فوالله ما علم ابن الخطاب ما
يقول حتى سأل الرجل الذي إلى جنبه ، فقمت إلى عمر وإذا عمر قد أقبل ومعه الدرة على
صاحبي صفعا وهو يقول : قاتلك الله ! أتقتل الحرام وتعدى الفتيا وتقول ما علم عمر حتى
سأل من إلى جنبه ! أما تقرأ : ( يحكم به ذوا عدل منكم ) ؟ " فهذا يدل على أن حكم
الحكمين في ذلك من طريق الاجتهاد ، ألا ترى أن عمر وابن عباس وابن عمر والقاسم
وسالما كل واحد منهم سأل صاحبه عن اجتهاده في المقدار الواجب ، فلما اتفق رأيهما
على شئ حكما به ؟ وهذا يدل على جواز الاجتهاد في أحكام الحوادث ، لإباحة الله
تعالى الاجتهاد في تقويم الصيد وما يجب فيه . ويدل أيضا على أن تقويم المستهلكات
موكول إلى اجتهاد عدلين يحكمان به على المستهلك ، كما أوجب الرجوع إلى قول
الحكمين في تقويم الصيد . والحكمان عند أبي حنيفة يحكمان عليه بالقيمة ثم يختار
المحرم ما شاء من هدي أو طعام أو صيام . وقال محمد : " الحكمان يحكمان بما يريان
من هدي أو طعام أو صيام ، فإن حكما بالهدي كان عليه أن يهدي " .
وأما قوله تعالى : ( هديا بالغ الكعبة ) فإن الهدي من الإبل والبقر والغنم ، وقال الله
تعالى : ( فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ) [ البقرة : 196 ] ولا خلاف أن له أن يهدي
من أحد هذه الأصناف أيها شاء منها . هذا في الإحصار ، فأما في جزاء الصيد فإن من
يجعل الواجب عليه قيمة الصيد فإنه يخيره بعد ذلك ، فإن اختار الهدي وبلغت قيمته بدنة
نحرها ، وإن لم تبلغ بدنة وبلغ بقرة ذبحها ، فإن لم تبلغ وبلغ شاة ذبحها ، وإن اشترى
أحكام القرآن — صفحة 593
مساهمون: الجصاص
ص٥٩٣