النعم ) معلوم أن فيه ضمير إرادة المحرم ، فمعناه : " من النعم يحكم به ذوا عدل منكم
هديا " إن أراد الهدي ، والطعام إن أراد الطعام ، فليس هو إذا تفسيرا للمثل ، كما أن
الطعام والصيام ليسا تفسيرا للمثل المذكور .
فإن قيل : روي عن جماعة من الصحابة أنهم حكموا في النعامة ببدنة ، ومعلوم أن
القيم تختلف ، وقد أطلقوا القول في ذلك من غير اعتبار الصيد في زيادة القيمة
ونقصانها . قيل له : فما تقول أنت ، هل توجب في كل نعامة بدنة من غير اعتبار الصيد في
ارتفاع قيمته وانخفاضها فتوجب في أدنى النعام بدنة رفيعة وتوجب في أرفع النعام بدنة
وضيعة ؟ فإن قيل : لا ، وإنما أوجب بدنة على قدر النعامة ، فإن كانت رفيعة فبدنة رفيعة
وإن كانت وضيعة فبدنة على قدرها ، قيل له : فقد خالفت الصحابة ، لأنهم لم يسألوا عن
حال الصيد ولم يفرقوا بين الرفيعة منها والدنية فاعتبرت خلاف ما اعتبروا . فإن قيل : هذا
محمول على أنهم حكموا بالبدنة على حسب حال النعامة وإن لم يذكروا ذلك ولم ينقله
الراوي . قيل له : فكذلك يقول لك القائلون بالقيمة إنهم حكموا بالبدنة لأن ذلك كان
قيمتها في ذلك الوقت ، وإن لم ينقل إلينا أنهم حكموا بالبدنة على أن قيمتها كانت قيمة
النعامة . ويقال لهم : هل يدل حكمهم في النعامة ببدنة على أنه لا يجوز غيرها من الطعام
والصيام ؟ فإن قالوا : لا ، قيل لهم : فكذلك حكمهم فيها بالبدنة غير دال على نفي جواز
القيمة .
فصل
وقرئ قوله تعالى : ( فجزاء مثل ) برفع المثل ، وقرئ بخفضه وإضافة الجزاء
إليه . والجزاء قد يكون اسما للواجب بالفعل ويكون مصدرا فيكون فعلا للمجازي ، فمن
قرأه بالتنوين جعل المثل صفة للجزاء المستحق بالفعل وهو القيمة أو النظير من النعم
على اختلافهم فيه ، ومن أضافه جعله مصدرا وأضافه إلى المثل ، فكان ما يخرجه من
الواجب مضافا إلى المثل المذكور . ويحتمل أن يكون الجزاء الذي هو الواجب مضافا
إلى المثل ، والمثل يكون مثلا للصيد ، فيفيد أن الصيد ميتة محرم لا قيمة له ، وأن
الواجب اعتبار مثل الصيد حيا في إيجاب القيمة ، فالإضافة صحيحة المعنى في الحالين
سواء كان الجزاء اسما أو مصدرا ، والنعم من الإبل والبقر والغنم . وقوله تعالى : ( يحكم
به ذوا عدل منكم ) يحتمل القولين جميعا من القيمة أو النظير من النعم ، لأن القيم
تختلف على حسب اختلاف أحوال الصيد ، فيحتاج في كل حين وفي كل صيد إلى
استيناف حكم الحكمين في تقويمه . ومن قال بالنظير فرجع إلى قول الحكمين ، لاختلاف
أحكام القرآن — صفحة 592
مساهمون: الجصاص
ص٥٩٢